زمن الجواري وسطوة السلطان
يعد التطرف أياً كان فحواه أو أسمه وصنفه سبباً رئيساً يؤدي الى التقاطع مع الآخر . لابد من الأشارة هنا الى ان التقاطع الناتج عن التطرف سواء أكان في الموقف أو الرؤية لا يؤدي الى الخلاف والأختلاف فحسب، بل ان الأمر يصل الى اقصاء الآخر ولو بالقتل كما نشهد في الفكر التكفيري المتطرف والعقيدة الوهابية وما انتجته من موت ودمار وخراب عبر آلاف مؤلفة ممن يعتنقون الفكر الوهابي. التطرف هو النقيض للوسطية والأعتدال وهو كما اسلفت موجود في السياسة والسياسيين والدين والمتدينين كما هو موجود في الولاء والموالين وفي العشق والعاشقين وصولا الى الحقد والحاقدين. في العراق يمكن تشخيص التطرف والمتطرفين في أغلب شرائح المجتمع وأطيافه ومشاربه فكما هو موجود لدى أهل السنة فأنه موجود لدى أهل الشيعة مع الفارق في الدرجة والتعبير والدلالة . على سبيل المثال لا الحصر وفي مجال الفهم العاطفي للدين تجد ان البعض من الشيعة ان اختلف معك في شيء ووصل بكم الأمر الى حد القسم فإنه لا يرضى بالقسم بالله ولا يقتنع ما لم تقسم له بسيدنا ابو الفضل العباس ابن الإمام علي “عليهما السلام”. فيما نجد التطرف عند الكثير من أهل السنة مثلا بأن يتقبل منك فكرة ان رسول الله (ص) وهو من لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى قد أخطأ يوما ما أو انه هو المقصود في سورة عبس وتولى بينما تجده يشتاط غضباً ويتطاير الشرر من عينيه ان قلت له ان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قد اخطأ أو اغضب الرسول (ص) بتصرف ما . كثيرة هي انواع التطرف فمثلا في الحب هناك من يترك عمله ويهجر أهله وينسى أسمه ويفقد توازنه في التعبير عن حبه للحبيبة التي قد تكون لا تعلم انه يحبها أو ربما لا صلة لها بالموضوع، التطرف في الزعل بين صديقين اختصما حتى تجد انهما يتحولان بين ليلة وضحاها من صديقين حميمين الى عدوين لدودين . اليوم في بلادنا اصبح لدينا نوع آخر من التطرف متمثلا بالتطرف الولائي لأرباب السياسة حيث صار لكل رئيس كتلة أو رئيس حزب أو رئيس جهة ما لها موقعها في الحكومة والبرلمان انصاره ومؤيدوه والمدافعون عنه. هؤلاء تجدهم موالين لمن يوالون طائعين لمن يطيعون مؤيدين لمن يؤيدون على طول الخط سواء أكان مخطأ أم مصيباً , عدواً أم حبيباً , مجرماً أم مسالماً , عالماً أم جاهلاً , مؤمناً أم منافقاً . الأكثر منه انك لو تجاوزت وكفرت أو شتمت اقدس مقدسات السماء بحضورهم بما فيه لفظ الجلالة فأن الأمر بديهي لديهم لا يلفت انتباههم أو يستفزهم أو يستحق منهم وقفة، في حين لو حصل منك ولو اشرت بسوء أو نقد بالتلميح أو التصحيح أو التلقيح أو التجريح انك تشير أو تسمّي من يوالون فأنك توقع منهم ما لم يكن بالحسبان من السراط الى الميزان. من هنا نؤسس لصناعة الأصنام وعبادة الأوثان والعودة لعصر الجاهلية وزمن الجواري وسطوة السلطان..
منهل عبد الأمير المرشدي



