اراء

نتنياهو وخيارات الانتحار الصعبة

بقلم: محمد الحسيني..

حفر تاريخ 14 نيسان، وما شهده من اجتياح جوي في إطار الرد الإيراني الحاسم على العدوان الصهيوني، موقعه في سياق محطات التحوّل الاستراتيجية على خارطة الصراع مع “إسرائيل”. وكذلك فعل تاريخ 7 تشرين الأول الذي شهد معركة “طوفان الأقصى” المستمرة ضدّ الاحتلال. لذلك؛ يمكن القول إن ما بعد هذين التاريخين لن يكون كما قبلهما لكثير من الأسباب والنتائج.

أولها: أن كيان العدوّ وحكومته ورئيسها بنيامين نتنياهو باتوا أمام خيارين حرجين، أحلاهما سيكون بمثابة كارثة تهوي على هذا الكيان بمجتمعه ومؤسساته وجيشه الذي يُقهر، الأول: شنّ حرب شاملة في المنطقة، والثاني: تنفيذ ضربات محدودة بما يساوي نصف حرب على جبهتي الشمال وقطاع غزّة.

وقف الحرب انتحار

الدافع إلى حصر هذين الخيارين، في السياق الحربي واستبعاد الخيار السلمي أو وقف الحرب، مردّه إلى أن التراجع في أجندة العمليات العسكرية والأمنية التي أعلنتها حكومة الحرب الإسرائيلية، أو الاستمرار في الوضع الراهن سيقود حتمًا إلى أزمة كيانية ستطيح بنتنياهو وأركان حربه السياسيين والعسكريين بالدرجة الأولى، وتخلق هزّة داخلية قد تدفع إلى إعادة تشكيل البنية الوجودية للكيان الصهيوني. ولكن هذه المرّة، وفقًا لمنطلقات واقعية تأخذ بالحسبان المعطيات الجديدة التي أفرزتها واقعتا “طوفان الأقصى” الفلسطيني والوعد الإيراني الصادق، من دون أن نغفل الأثر الجوهري الذي أحدثته انتصارات المقاومة الإسلامية على العدوّ في محطات المواجهة كلها منذ تموز 1993 مرورًا بتحرير أيار 2000 وصولًا إلى تموز الوعد الصادق 2006، والتي حملت معها حفرًا تراكميًا لتواريخ الهزيمة الإسرائيلية.

الحرب الشاملة انتحار

لا يجد نتنياهو، في تخبّطه الحالي، إلا الجنوح نحو أحد الخيارين، فيمارس لعبة الروليت الروسية، سعيًا منه إلى تكبير دائرة النار من خلال إشعال المنطقة بحرب متعدّدة الاتّجاهات، لعلّه في ذلك يعيد تركيب أضلاع الأزمة بالشكل الذي يحمي به نفسه، ويحفظ فيه وجوده السياسي ما أمكن، خصوصًا أن الضغط الداخلي والخارجي بدأ يطبق عليه بقوة أكثر من دون أن يفقد الأمل بالاحتضان الاستراتيجي الأمريكي الذي يجهد لحماية “إسرائيل” المشروع الذي يتولّى فيه نتنياهو الموقع الأعلى.

إلا أن اعتماد هذا الخيار وفقًا لمنظور إسرائيلي يعني إعلانًا رسميًا بالانتحار وأخذ الكيان نحو مصير أسود، فـ”إسرائيل ليست مبنيّة لمهمّات متعددة”، وفقًا لتعبير اللواء احتياط في جيش الاحتلال القائد السابق لسلاح البرّ غاي تسور، والذي دعا إلى التفكير بشأن “عظمة إسرائيل” وقوّتها الهائلة”، فبرأيه أنّ “النصر المطلق” الذي تحدّث عنه نتنياهو هو “مجرّد هراء”.

حرب الجبهات الشاملة

العقلانية في التفكير المبنيّ على المعطيات والمستجدّات تفيد بأن “إسرائيل”، اليوم، لن تخوض معركة واحدة في حال اعتمد نتنياهو خيار الانتحار الشامل، بل ستُفتح عليه فوهات النار من الجهات كافّة. وفي حال ارتكز في سيره بهذا الاتّجاه على حتمية استدراج الولايات المتحدة لهذه الحرب، فإنّ التجربة الراهنة في مسار المواجهة الحالية تفيد بخلاف ذلك، فلا الأمريكيون استطاعوا منع الصواريخ اليمنية والعراقية من دكّ الأهداف في داخل فلسطين المحتلة، ولا الحلف الغربي بأجمعه استطاع أن يؤثر في قرار المقاومة الإسلامية في لبنان بالمضي في إسناد المقاومة الفلسطينية في غزّة بفتح جبهة الشمال التي تمثّل التحدّي الأكبر أمام العدو.

ما خفي أعظم

أعلنت دول وجهات المحور، بوضوح تام، أنها تساند المقاومة الفلسطينية وهي ماضية في ذلك حتّى إجبار الاحتلال على وقف العدوان على قطاع غزّة وتحقيق أهداف عملية طوفان الأقصى؛ وهي جاهزة تمامًا لرفع مستوى التحدّي في حال تهوّر نتنياهو وحكومة حربه بقرار الحرب الشاملة. هذا وتدرك دوائر القرار الصهيونية أن ما استخدمه محور المقاومة من أسلحة وذخائر، حتّى الآن، هو بمثابة القشرة الخارجية التي تخبئ الأعظم من القدرات التي تضرب الكيان المؤقت في الصميم، وتلحق به خسائر هائلة لا يمكنه تحمّلها.. إلا أن نتنياهو يجد نفسه محشورًا في خياراته، وهو يرى إخفاقاته تتعمّق من دون تحقيق أية نتيجة سوى تظهير قوة محور المقاومة مقابل انكفاء محور الشر الأمريكي عن التورّط في الحرب.

مطارق الخيارات الحرجة

يؤكد اللواء احتياط إسحاق بريك، في جيش الاحتلال، أنّه “يجب على “إسرائيل” إعلان وقف الحرب في غزّة، لأنها خسرتها بالفعل”، وسُجّل عشرات حالات الانتحار في صفوف الجنود العائدين من المعارك. أما في الشمال فقد حوّل حزب الله المنطقة إلى شريط مستوطنات خالية من الحياة للمرة الأولى منذ العام 1948، بموازاة استهداف يومي للمواقع العسكرية الحيوية، فيما أربعون بالمئة من الذين نزحوا من المستوطنات بشكل مستقلّ يدرسون احتمال عدم عودتهم إلى هناك، ونصف الشباب الذين أجلوا يعانون الوحدة والاكتئاب.. فهل يستطيع نتنياهو الصمود في خمس جبهات مفتوحة، وهو بالكاد يستطيع الصمود في جبهة ونصف؟! وأي جيش سيكون قادرًا على حماية المواقع والتجمعات الاستيطانية من وابل الصواريخ والمسيّرات التي ستُزرع في كامل فلسطين المحتلة؟! ومن الذي سيردع المقاومة الإسلامية من العبور بوحداتها ومقاتليها إلى الجليل وما بعد الجليل؟!.

أما في الداخل؛ فعلى الرغم من صمّ أذنيه؛ فلن يستطيع نتنياهو طويلًا، أن يشيح بنظره عن التظاهرات التي تطالب بإيقاف الحرب وإرجاع الجنود الأسرى من يد حركة حماس.

نتنياهو عالق بين مطارق الخيارات الحرجة، وهو لا يريد الاعتراف بالهزيمة، لأنها تعني كأنه أطلق النار على رأسه وليس على قدميه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى