اخر الأخباراوراق المراقب

كيفية التدبر في القرآن

قبل الحديث عن (منهج التدبر في القرآن) لا بدّ أن نعترف بأنّ استعراضنا لهذا المنهجهناهو استعراض ناقص، ويعود ذلك إلى عاملين:

أحدهما: صعوبة الإحاطة بالمنهج بشكله المتكامل؛ فالقرآن بحر عميق، لا يدرك غوره، ولا تفنى عجائبهكما يقول الإمام علي (عليه السلام)، ومن هنا فإنّ الإحاطة به أمر صعب، إن لم يكن أمراً مستحيلاً.

وثانيهما: إنّ بعض هذه المناهج قد تكون عسيرة الهضم على البعض؛ ذلك لأنّ فهمها يرتبط باستيعاب علوم معينة. ومن هنا تركنا التعرُّض إلى تلك المناهج في هذا البحث.

وبعد معرفة هذه الحقيقة يبرز السؤال التالي: ما منهج التدبّر في القرآن؟.

والجواب: إنّ المنهج يعتمد على طرح مختلف التساؤلات حول (الظواهر القرآنية)، فكلّ آية من القرآن الكريم مجال خصب لطرح تساؤلات عديدة، وعلى الفرد الذي يحاول التدبُّر في القرآن، أن يثير في عقله هذه التساؤلات، ومن ثمّ يحاول الإجابة عليها، وهذه التساؤلات تتناول جهات عدة منها معنى الكلمة حيث يتكوّن القرآن الكريم من كلمات، تماماً كما يتكوّن البناء من لبنات. ولذلك فمن الطبيعي أن تكون الخطوة الأُولى لفهم القرآن الكريم هي التدبّر في الكلمات القرآنية.. ومع الأسف، فإن بعضاً ممن يقرأون القرآن لا يقومون بهذه المهمة؛ ولذلك فهم:

1- إمّا أنّهم لا يفهمون معاني الكلمات.

2- أو يفهمونها بشكل مغلوط.

3- أو بشكل باهت لا يعكس المدلول الدقيق للكلمة.

على الرغم من هذا وذلك فإنّ الكلمات العربية اكتنفها الغموض ممّا أفقد إيحاء اللّفظ وظلاله. فلم نعدنحن العربنملك رهافة الحس لنعرف الفرق الذي كان بين لفظتي «قرُباقترب» أو «فكّرافتكر» حتى لم نعد نعرف الفرق بين كلمتي «سار» و«سارب» و«دلك» و«أولج» وما أشبه.

ويعود ذلك إلى:

أوّلاً: كثرة استعمال الألفاظ في غير معانيها الأدبية. فحينما يستعمل العربي كلمة «قرب» في المجال المحدّد لـ(اقترب)، أو حتّى كلمة (سار) في موضع كلمة (سارب) تختلط ظلال الكلمتين مع بعضها وتضيع الإيحاءات الخاصّة.

ثانياً: تعلّقت أذهاننا بمعانٍ جامدة ومحدّدة كألفاظ عربية، وفقدنا الشعور بمحور شعاع الكلمة. فنحن حينما نستعمل كلمة (جن) يتبادر إلى أذهاننا المخلوق الغريب دون أن نفكّر ولا لحظة حول ارتباط كلمة «ج ن» مع هذا المخلوق، ونستعمل كلمة «جنين» دون أن نعرف أن هناك علاقة تتناسب بين معنى الولد في بطنه أُمّه (جنين) ومعنى المخلوق الغريب (جن) وهي: أنّ كليهما مستور عن أعيُن الناس.

وكذلك نطلق لفظة «الخمر» للدلالة على السائل المسكر، ونطلق لفظة (الخمار) للدلالة على الساتر لوجه المرأة، ونلاحظ أن علاقة اللفظين ببعضهما إنّما هي من ناحية الستر، فهذا يستر الوجه وتلك تستر العقل.

وهكذا تتداخل إيحاءات اللفظ العربي ببعضها، ونفقد بذلك فهم أهمّ سمة من سمات اللّغة العربية التي لو فهمناها لسهل علينا فهم القرآن كثيراً.

من هنا يتوجّب علينا الخروج من الفهم التقليدي للألفاظ العربية نحو أُفق أسمى، يستشم المعنى الإيحائي العام منها. وهذا الخروج ضروريّ لفهم القرآن الحكيم؛ إذ إنّه في قمّة البلاغة التي تتلخّص في رعاية التناسب الشامل بين الموضوع واللّفظ، وبين الواقع والتعبير، فيكون كشف المنحنيات التفسيرية والإيحاءات اللّفظية، ذا أهمّية خاصّة في القرآن أكثر من أيّ كتاب آخر؛ لأنّها معنية فيه بشكل لا يوصف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى