اراء

طوفان الأقصى… وتساؤلات حول الرد الإيراني

بقلم: أحمد الدرزي..

سيطر الترقب والتساؤل على المتابعين العرب لتداعيات عملية “طوفان الأقصى” المستمرة حتى الآن إثر الاستهداف الإسرائيلي للقنصلية الإيرانية في دمشق وما حملته من رسائل عالية التهديد في تجاوزها الخطوط الحمر في مسار الصراع المستمر مع الكيان منذ تأسيسه عام 1948، وخصوصاً باستشهاد خيرة قادة الحرس الثوري الإيراني على أرض تعدّ جزءاً من الأراضي الإيرانية وفقاً للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، عدا عن كونها استمراراً للرسائل الموجهة إلى دمشق التي تتعاطى مع الوجود الإيراني في سوريا باعتباره صمام أمان في وجه الاجتياح الغربي المستمر لسوريا منذ منتصف شهر آذار 2011.

وسادت حالة من الشكوك المتعاظمة بشأن الرد الإيراني بعنوان: هل يحصل أم لا؟ وإذا ما حصل، فمتى؟ وأين سيتم ذلك؟ وهل يكون بحجم الجريمة الإسرائيلية أم سيكون محدوداً بعنوان حفظ ماء الوجه؟ إلى حين حصول الرد الإيراني الواسع والعنيف المتجاوز لكل التوقعات التي سادت قبل حصوله، على الرغم من التعاطي الإيراني الواضح مع أخطر حدث منذ السابع من أكتوبر، وما صدر عن مرشد الثورة الإيرانية من تصريحات واضحة ومتتابعة عن الخطأ الكبير الذي ارتكبه الكيان باستهدافه المباشر للقنصلية الإيرانية والتأكيد على دفعه الثمن، إضافة إلى وضوح كلمة السيد حسن نصر الله بوصفه الحدث باعتباره مفصلياً في تاريخ الصراع مع النظام الغربي على ساحة فلسطين المحتلة، الذي يختزل برمزيّته وموقعيته الصراع الدولي، فإن البعض تعاطى مع الرد من موقع التشكيك والاتهام.

ينبع هذا النمط من الشكوك من مجموعة عوامل طبعت الواقع العربي بشكل عام، والسوري بشكل خاص. أول العوامل هو الاختلاف في أنماط التفكير بين العرب والإيرانيين، إذ يغلب على أنماط التفكير العربي الاندفاع والحَميَّة من جهة، وسرعة اتخاذ المواقف تبعاً للخلفيات الاجتماعية والثقافية وسيطرة الهويات الفرعية ما قبل الوطنية على أنماط التفكير من جهة ثانية. الأمر لا ينحصر في الشريحة العامة الكبرى، بل يتمظهر على مستوى ما يُعتبر نخباً سياسية، على عكس العقل السياسي الإيراني الذي يتعاطى مع الأحداث الجِسام بعقل بارد يُقلِّب الأمور من كل النواحي ويدرس كل الاحتمالات والنتائج المترتبة على أي خطوة يُقدم عليها.

وينبع العامل الثاني من تراكم الشكوك في الوسط العربي منذ ثورة فلسطين 1936 وحرب النكبة 1948 ومجمل الحروب التي تلتها مع الكيان، وتحول النظام العربي إلى رديف لبقاء الكيان، وما أفرز ذلك من إحباطات تلت أغلب التحركات العسكرية، فألقى بظلال الشك على العقل العربي بشكل عام في تعاطيه مع مسار الصراع مع الكيان، بما في ذلك قوى المقاومة التي تسنمت رايتها بعد عام 1982.

ويرتبط العامل الثالث بعدم فهم الاستراتيجية الإيرانية ومعها بقية قوى المقاومة التي تسعى لبناء نظام إقليمي خالٍ من الكيان، يكون فيه لإيران دور إقليمي كبير عبر بوابة الصراع مع الكيان وعودة فلسطين لأهلها.

هذا الأمر واضح بتجربة المقاومة في جنوب لبنان والعراق واليمن وفلسطين وفي سوريا، التي استطاعت إحداث تغيير حقيقي في الجغرافيا السياسية لمنطقة غرب آسيا، فتحولت إلى رقم صعب لا يمكن تجاوزه. وقد تكون عملية الرد العسكري الإيراني المباشر كنتيجة من نتائج عملية “طوفان الأقصى” بمنزلة تتويج لها، وكلتا العمليتين لا تنفصل عن بعضهما بعضاً في تشكيل واقع إقليمي جديد سيتولد عنه فراغ سيملأ الساحات الموحدة في الصراع، ولمصلحة شعوب المنطقة ومستقبلها السياسي والاقتصادي، ويدفع بالنظام الغربي إلى الإقرار بالواقع الجديد مع استمرار محاولاته لتفريغ ما تم إنجازه سياسياً.

يدرك القادة الإيرانيون أن المواجهة الحقيقية ليست مع “إسرائيل”، بل مع النظام الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهي مواجهة لا تنحصر في منطقة غرب آسيا، بل أوسع من ذلك، وتمتد إلى ساحات متعددة في العالم، إن كان في الساحة الأوكرانية بين روسيا وحلف الناتو، وفي جنوب وشرق آسيا بين الصين والولايات المتحدة، وفي أفريقيا بين دول الساحل الغربي وفرنسا العضو في حلف الناتو، وواقع النظام الغربي لا يتحمل الهزيمة في هذه المرحلة بما قد يدفع به إلى اتخاذ خطوات متوحشة وفقاً لمقولة أنطونيو غرامشي: “في اللحظة بين القديم الذي يموت والجديد الذي لم يولد تظهر الوحوش”، وهذا ما دفع الإيرانيين، ومعهم شركاؤهم من قوى المقاومة، إلى تهيئة الشروط الإقليمية والدولية لنجاح الرد بأكبر إنجاز ممكن دون الوصول إلى اندلاع حرب كبرى مدمرة على مستوى كامل منطقة غرب آسيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى