كل الجهات سراب والخيال ثرى

قاسم العابدي
أيامُهُ أحرقَتْ أضلاعَهُ فسَرَى
إلى كهوفٍ من البلوى وصمتِ قُرَى
إلى ملاذٍ يعدُّ الدمعَ أرغفةً
لم يتّخذْ جمرَهُ في ظلمةٍ قمَرا
ولا الفراشاتُ إذ حطّتْ على يدِهِ
قدْ صارَ يُبصرُها في كفّهِ كَدَرا
صفصافُهُ يبسَتْ أوراقُهُ فهَوى
على ترابٍ إلى أحضانِهِ انتظرا
حتّى قصائدُهُ ما عادَ يعشقُها
كأنّها لمْ تكُنْ من روحِهِ صُوَرا
فاليأسُ كوَّنَ في عينَيهِ سورَتَهُ
فصارَ يرنو إلى اللا ضوءِ حينَ يرَى
مازالَ يغرسُ قهراً، يَرتجي رُطَباً
كأنَّ من بؤسِهِ حُلْما لهُ ابتكرا
وما يزالُ يُرابِي في مروءَتِهِ
فكلّما جاءَ ربحٌ عندَهُ خَسِرا
في يَمِّ أحزانِهِ تابوتُهُ رَقدَتْ
أركانُهُ فاحتَوَتْ أجفانُهُ سَهرا
ألقى ببطنِ المآسي سرَّ رحلتِهِ
لكنّهُ رغمَ أوجاع السُّرى صَبرا
نادَتْ على عمرِهِ أصواتُ عاصفةٍ
فرامَ يهربُ خوفَ المُنتهى فَجَرى
وصارَ يرمي طويلاً بالتفاتَتِهِ
لعلَّ كفَّ نجاةٍ اقبلت مَطَرا
لعلَّ في لحظةٍ يدنُو لهُ أملٌ
فحاول السعيَ في جنحَيهِ إذ عبرا
لكن إلى أين؟ لا مأوىً وأمكنةٌ
كلُّ الجهاتِ سرابٌ والخيالُ ثَرى.



