أربع شموس عراقية على طريق نازك الملائكة

أحمد فاضل
صورتهن وهن يشبكن أيديهن في جلسة اجتمع فيها الفرح والجمال والشعر أوحت لي هذه الصورة لأربع شاعرات عراقيات أن الشعر يمكن أن يكون شلالا متدفقا بالحياة والأمل وسط كل هذا الخراب الذي نعيشه، وأن المستحيل الذي يحاول موت الحياة والأمل لا مكان له بينهن لأنهن يصنعنه وسط دموعهن وضحكاتهن، فلو قلت لكل واحدة منهن د . سجال الركابي، فاطمة الزبيدي، ميادة المبارك، وفاء السعد، بمن تأثرتن من الشاعرات تحديدا لقلن بصوت واحد: الشاعرة الخالدة نازك الملائكة التي فتحت أمام القصيدة الناعمة أفاقا رحبة نهل من بعدها شاعرات كثر لم يقفنَ عند ” قرارة الموجة” بل رُحْنَ يَعُمنَ بعيدا عنها، فلكل واحدة منهن أسلوبها المميز وتقنياته وخلفيته الدرامية المثيرة للإهتمام والمشهد الشعري لديهن وإن تعددت أغراضه ووسائله فإنه يشي بالكثير من الفخامة. فإذا قلنا ذلك عن د. سجال سيجيبنا شعورها بالإنتماء لفضاء القصيدة المشرعة نوافذها نحو الجمال بكل أطيافه، وستكون للعاطفة والأمومة والإنسانية والمعاد وحفنة من تراب الوطن بتاريخه الراسخ في الأرض أثره الواضح في عديد قصائدها كما تقول ذلك في أحدث تجلياتها:
نيـــنالا.. جفّفــي قحــطَ هــذا الربيــع
عــند منتصــفِ المــدِّ سحِبتُنــي..
نصــفَ ســمكة عــلى الجُــرفِ
ابتــعدتُ طفلــةَ ابتســــامةٍ..
يُنــاورها المجــهول يــدا بيــد
هربنــا الــى سمــاواتٍ لا تـُرى بالعيــن المُجــرٰدة
تركــنا رســالة علــى كربــة نخــلة لــفَّ
كوديا المهــيلة حَــولَ رأســه استــدارَ
نيـــنالا هـلّا جَفّفـتِ قحــطَ هــذا الربيــع!
أما فاطمة الزبيدي فلها شخصيتها المتفردة والعديد من قصائدها نسج لتلك الشخصية التي تعيش الذكرى بحلوها ومرها وحتى الرثاء نجد له لونا وطعما غير الذي نجده عند غيرها، أما لغتها فهي منتقاة بعناية، صعبة في بعض الأحيان حيث تشعر القارئ بقوتها التعبيرية اللافتة، غريبة، حسية، محملة بكل الصور الشعرية التي تستدعيه للنظر بعناية إليها وكثيرا ما تذكرني بالشاعرة الإنكليزية لينيت روبرتس وهي من الأصوات الشعرية التي ما تزال قصائدها ترن في ذاكرة المتلقي الغربي كما يقول الناقد الإنكليزي تشارلز بينبريدج، الزبيدي ومع آخر قصائدها “عــزفٌ لشــهرزاد” نستكشف سر العتمة التي تعيش خلالها، تقول:
كنــتُ أدري..
أن رعــداً يعتــري قلــب الوتــر!
كلمــا يقســو,
أرى العتــمةَ تــدنو..
تمــلأُ الآقــداحَ صمتــاً..
تجلــدُ البــَوّحَ
المُعنّــى.. يتوهــج.. يستفيــق.. بمنــاديل الصــباح,
كفكــفَ الســرَ المبّــاح
ومن عتمة الشاعرة فاطمة الزبيدي إلى مصباح القصيدة المضيء دائما بحروف التوهج ميادة المبارك التي ما زالت قصائدها تنتظر أن تخرج علينا بكامل زينتها في ديوان شعر طال مكوثه بين سجل ضخم تحمله معها في حلها وترحالها، ومع إعجابي بنصوصها التي تحمل بين طيات حروفها مونولوجا دراميا ذي نبرة شخصية بحتة كثيرا ما تكون محاوراتها مع من هو أقرب إليها لتنطلق من خلاله إلى عوالم لا متناهية تسكنها حقيقة لا خيال ويبدو أن لها سيطرة واضحة على كم الأحاديث التي تتناولها والتي سوف تفصح عن العلاقة الجدلية بين ما هو مخبوء بداخلها وبين ما هو ظاهر. ففي قصيدتها “وحـدكَ.. مـن يُجيـد قراءتـي” وهي أحدث ما كتبته يظهر تأثير ذلك المونولوج الدرامي على كامل مساحتها:
كدبيــبِ النمــلٍ تختــزلُكَ خطوتــي
لأعــودَ بمفكــرتي الماضــيةَ إليـك
عــذراءٌ أنــا
يؤرقنــي أنيــنَ عاشــقٍ..
مآســي التكويــن أتعبــهُ قــرع الطبــول..
وأجــراس الكنــائس يعتريــهِ البكــاءُ..
حيــثُ شــذى مســافاتي المقفــرة..
فكــم هدهدنــي خِــوار همســاتكَ كســكينٍ مـن نـار..
وكـم أحرقـتَ بطيفــكَ المســلوب أقمــاري التــي لا تنتهيــك
لأوقــدَكَ مصــباحاً يضـيء عتمتــي
فتكوننــي شاهــدَ عصــري الحديــث..
في بدايات القرن العشرين المنصرم شهد الواقع الشعري الغربي ملامح تأثير المونولوج الذي يمكن أن ينظر له في عمل عزرا باوند وت. س. إليوت، فالقارئ يجد صوت الشاعر قد ينوء بحمل ثقيل من الكلمات وهي تقنية إليوت في قصائده التي تحدثت عن حياته. ومع أننا نجد اختلافات كثيرة لها في الآونة الأخيرة، إلا أن عددا من الشعراء عرضوا لمثل هذه النماذج كقصيدة “ميرور” و”سيدة لازاروس” للشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث، وجون آشبيري وجون بيريمان باستخدامهم النموذج نفسه في سلسلة من أجمل قصائدهم، ما يعني أننا أمام شاعرة تستلهم كل ذلك المفهوم في توظيف نصوصها حتى وإن لم تقصده فالفطرة الشعرية قد تقود في بعض الأحيان إلى مفاهيم يجب على الناقد إبرازها فهي تحسب لموهبة الشاعر وثقافته.
أما وفاء السعد فهي تنتمي في كتابتها القصيدة الحداثوية إلى الاستطراد أو الالتفات وهو المفهوم الأقرب لما قرأته هنا في قصيدتها الحديثة “جذوة شوق”:
جَــــــــذوةُ شَــــــوق
لَـــــــــــــــــكَ..
اِنفـــــــراطُ حَبّـــات الجَــــبينِ.. قَطـــــَرا
وَ لِـــــــــــــــي..
عَيـــــــنٌ بِكــــــوّةِ الجَـــــمرِ..
تَخـــــتَزِلُ السُــــــــــهادَ
هـــــــــــــــــــيَ..
اللّيـــــــــــالي شَـــــــــظايا..
ما ابتكَــــرناها رِثـــــاءً .. لِدُنيــــــــا..
تُفلِـــــقُ الوســـادةَ كِســـتناءةَ..
شَــــــوقٍ شَـــــغوفٍ..
أيُّ زَمـــــــــــــــــان..
يَرقـــــبُ الِشــــــفاهِ مَغِشـــــيَّةً..
فــــــي سُـــــعارِ الظَــــــــلامِ
مَلغومَـــــةٌ بِوســـواسِ ثَـــــوانٍ
تَفـــــرُّ فــــــي مَهَــــبِ الرِيــــــحِ..
فمــــا بَينـــــي وبَيــــنَ المَســـافاتِ..
حَصْـــــــادُ حلــــــــــم
والاستطراد هو أن تخرج بعد أن تمهد ما تريد أن تمهده إلى الأمر الذي تروم ذكره فتذكره وكأنك غير قاصد لذكره بالذات، بل قد حصل ووقع ذكره بالعرض عن غير قصد ثم تدعه وتتركه وتعود إلى الأمر الذي كنت في تمهيده كالمقبل عليه وكالملغى عما استطردت بذكره، أما إذا أخذنا هذا المفهوم بما اشتغل عليه الشعراء الغربيون فسنجد له تأريخا قديما يعود إلى هوميروس الذي هو واحد من أقرب مستخدميه خلال المدة الإغريقية، فقد استخدمه في الإلياذة لتوفير ما يمكن توفيره من معلومات تهم القارئ مع جعل مساحة مناسبة من السرد الرئيس وتقديم المعلومات الأساسية وتعزيز verisimilitudes ” شيء محتمل” من ذلك السرد على سبيل المثال والذي تم استخدامه استطرادا صغيرا عندما يصادف أجاممنون الإخوة Hippolokhos وPeisandros في المعركة حيث يأتون إلى أجاممنون كما المتوسلون فيذكر لهم ما وقع له مع والدهم حينما أرسل له مبعوثين من Menelaos، هوميروس وفر هنا للقراء حقيقة خطيرة حول طبيعة المنافسات وبداية الحرب، اما إذا أردنا أن نعقد مقارنة بين النص الشعري والرواية باستخدامهما لهذا المفهوم فسنعرج على رواية جيروم ديفيد سالينجر “الحارس في حقل الشوفان” الغنية في الاستطراد والمشتملة على العديد من أنماط التفكير من هولدن كولفيلد في الرواية حيث يبدو أن الابتعاد عن الموضوع الرئيس والعودة إليه أمر طبيعي استخدمه باستمرار في جميع أنحاء القصة ومع ذلك فهي ذات صلة وأهمية للموضوع الرئيس كما عرفنا، كما أنه يسمح للقراء الحصول على نظرة ثاقبة عن هذه الشخصية المروية هنا. فعلى سبيل المثال تصريحاته حول ذكاء أخته تليها وصفا لكيفية العناية بها حيث تكشف عن تلك الإهتمامات، الشاعرة السعد في تلك الجذوة أعطت مفهوما آخر عن كون التجريب الشعري هو حالة غير مفقودة لدى مجايلة د. الركابي والزبيدي والمبارك وهذا ما جعلهم يبتسمون مسجلين انتصارا رائعا للشعر النسوي هنا في العراق.
ـ ـ
“قرارة الموجة”، صدر هذا الديوان عام 1957 وهو الديوان الثالث الذي صدر للشاعرة نازك الملائكة، وقد بينت سبب تسميته بهذا العنوان في رسالتها لأختها فقالت: “ما القمة بعد؟ إنها بداية الإنحدار، أما القرارة فليست إلا الإستجمام الذي ينطوي على بذرة التحفز إلى الإنبثاق الحاد والصعود إلى القمة التالية.. وهكذا ترين أن قرارة الموجة، يرى الحياة على صورة تعاقب قمم وانحدارات لا نهاية لها، وإذا كان هذا الشعر قد نظم من منحدر الموجة، فإنها محض صدفة لا أكثر”.




