اراء

استراتيجية نتنياهو التفاوضية .. غاية تستهدف إرضاء الداخل والحلفاء

بقلم: وسام إسماعيل..

لا يمكن اعتبار المسار التفاوضي الإسرائيلي مقنعاً لناحية إمكانية وصوله إلى غاية وقف العدوان على القطاع، خصوصاً أن الخيار الذي تبنّاه رئيس الحكومة الإسرائيلي لم يخرج منذ بداية العدوان عن أهداف القضاء على حركة المقاومة الإسلامية، وتحرير الأسرى بالقوة، والضمان بأن لا تشكل غزة تهديداً للكيان، وبالتالي افتراض استمرار العدوان حتى تحقيق هذه الأهداف. وعليه، فخيار التفاوض يجب أن لا يُفسر في إطار إمكانية التنازل عن أهداف نتنياهو، مع ما قد يعنيه هذا التنازل من هزيمة ستلحق ضرراً مزدوجاً بشخص رئيس الحكومة من جهة، ومستقبل الكيان الذي بات مرهوناً لهذه الأهداف، من جهة أخرى.

 في بداية الحرب وجد الكيان الإسرائيلي في أحداث “طوفان الأقصى” والتضامن الدولي مع المذبحة المُفترضة التي ادّعى أنه تعرض لها فرصة لتحويل التهديد المصيري والتاريخي الذي شكلته المقاومة في غزة إلى فرصة للقضاء عليها، واجتثاث أي حركة فلسطينية مقاومة تعرقل تحقيق مشاريعه، ابتداءً من إسقاط الشعب الفلسطيني في قبضته الأمنية وصولاً إلى ضمان أمن مشروع بايدن للربط الاقتصادي من دون أن ننسى حقول الغاز في المياه الاقتصادية المتاخمة لغزة.

منذ بدء العدوان على غزة، لم يكن التفاوض مع المقاومة خياراً إسرائيلياً؛ إذ إن المنطق الإسرائيلي كان يفترض انعدام أي ضرورة للتفاوض، في ظل إمكانية تحقيق الأهداف المعلنة عن طريق القوة.

فبالنظر إلى طبيعة الأهداف التي وُضعت في بداية العدوان، والتي أوحت ظروف البيئتين الداخلية الإسرائيلية والخارجية الدولية ميلاً نحو ضرورة دعم الخيار العسكري الإسرائيلي إلى أقصى حدوده وطموحه، أمكن التقدير أن المستوى السياسي الإسرائيلي سيجهض أي فرصة لإنجاح مسار التفاوض مع المقاومة، إذ إن القضاء عليها يفترض عدم التحاور معها، من دون أن ننسى أن حقيقة المعركة في هذه المرحلة تدخل ضمن إطار اعتبارها مصيرية، إذ إن نتيجتها ستنعكس حتماً على مستقبله في المديين القريب والبعيد.

من ناحية أخرى، يُفترض الإشارة إلى واقع السلطة الحاكمة للكيان، حيث تتعارض توجهات الحكومة الحالية مع المسار التسووي الذي سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى تحقيقه منذ إعلان صفقة القرن.

في هذا الإطار، يجب تصنيف خيار رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو ضمن أطر اليمين المتطرف الرافض لحلول تسووية، وذلك لناحية الإصرار على يهودية الدولة، ومنع ظهور أي كيان فلسطيني يمنع تمدد اليهود على أرض فلسطين التاريخية، بالإضافة إلى قناعة نتنياهو بقدرته على حفر اسمه في سجل العظماء الصهاينة كأول من تخطى عقبة التقسيم والاعتراف بالوجود الفلسطيني، وبالتالي أول من نجح في تحقيق حلم المؤسسين.

استطاع بنيامين نتنياهو منذ “طوفان الأقصى” وبداية العدوان على غزة أن يقدم نفسه على أنه الوحيد القادر على ضمان بلوغ الكيان عيد ميلاده المئة. في هذا الإطار، عمد نتنياهو إلى استغلال حالة الرعب التي دبّت في نفوس المستوطنين يوم 7 أكتوبر، حيث استغل حجم العملية وما ألحقته من خسائر بشرية بجنوده ومستوطنيه، بالإضافة إلى تسليطه الضوء على حجم الهجرة العكسية التي تضاعفت بعد هجوم المقاومة؛ ليدق ناقوس الخطر ويعلن أن الخيارات التي باتت متاحة أمام الكيان لا تخرج عن إثنين: إما الالتزام بتوجهاته ومساراته وإما نهاية الكيان. بالتوازي، يُفترض عدم إهمال دوافعه الشخصية، إذ إن التفاعلات السياسية في الكيان كانت توحي قبل “طوفان الأقصى” بالاستعداد لطيّ صفحة نتنياهو السياسية، وإحالته إلى المحاكمة بتهمة الفساد واستغلال موقعه لمآرب شخصية.

يمكن القول إن مستوى الأهداف التي وضعها نتنياهو في بداية عدوانه كانت تشكل محاولة لاستغلال حجم الضربة التي تلقاها الكيان في “طوفان الأقصى”، إذ إن الضرر المعنوي الذي كان أكثر تأثيراً من الضرر المادي والبشري أثبت إمكانية هزيمة الكيان وعدم استحالة إسقاطه بالقوة العسكرية، ما يعني فشل جهود عقود من تطوير منظومة الردع الإسرائيلي في تحقيق هدف الحفاظ على الكيان وتفوّقه، في مسار ربط مستقبل الكيان بمصيره الشخصي.

وبالتالي، ظهر واضحاً مدى إصراره على مواجهة الضغوط الأميركية والدولية تحت عنوان منع هزيمة الكيان. في هذا الإطار، يمكن القول إن التعارض الذي حكم الرؤيتين الأميركية وتلك الخاصة بنتنياهو لم يكن حول الأهداف من العدوان، وإنما حول الآلية التي يمكن من خلالها تنفيذ هذه الأخيرة.

وعليه، لم يكن خيار نتنياهو الذهاب إلى التفاوض محكوماً لتنازل عن تحقيق أهدافه، بما يعني التسليم بالمسار الأميركي لإدارة الصراع، وإنما أمكن تصنيفه في خانة ربط النزاع مع إدارة بايدن التي لم توقف الدعم العسكري لـ”الجيش” الإسرائيلي للحظة واحدة.

وبالتالي، يمكن القول إن جوهر هذه الإستراتيجية لا يخرج عن مجرد التفاوض من أجل التفاوض فقط. فمن خلال اعتبار أن التفاوض لن يحقق نتيجة ما دام أحد الأطراف مقتنعاً بأن أي اتفاق سيعني هزيمته، يمكن التقدير أن نتيجة أي اتفاق قد توافق عليه المقاومة سيُترجم فشلاً إسرائيلياً، وسيُعدّ تنازلاً عن أهداف نتنياهو الأساسية التي يمكن القول إنها صارت ملازمة لاسمه ولصورة الكيان.

وعليه، يمكن القول إن التفاوض بالنسبة إليه لم يعد وسيلة تستهدف الوصول إلى اتفاق يعيد الأسرى، وإنما بات غاية تستهدف فقط إرضاء بعض الداخل والحلفاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى