اخر الأخبارثقافية

 كتاب”فضائل بيت المقدس”.. القيمة الدينية والتأريخية للمسجد الأقصى

واقعةً في مفترقٍ بين العقيدة والتأريخ، تبرز كُتب الفضائل كجنس خطابٍ، بات مهجوراً إلى حدٍّ كبير في أيامنا، غايته التعريف بالأفضليّة الدينيّة التي تكتسيها بعض الشخصيات والأزمان والأماكن في الضمير الجمعي. وقد شكّل بيت المقدس أحد أبرز عناصر هذه المدوّنة في الكتابة العربية، وذلك تجسيداً لموقعه كواحد من المواطن المقدّسة في الضمير الإسلامي، وهو ما يلخّصه القول السائد: أولى القبلتَين ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وآله.

وأوّل ما يُمكن وضعه ضمن مدوّنة فضائل بيت المقدس هو النص القرآني. ففيه إشاراتٌ كثيرة صيغت بأسلوب التعظيم حتى سُمّيت إحدى سُوره بسورة “الإسراء”، احتفاءً بمحطّة أساسية في مسار النبوّة المُحمّدية ارتبطت ببيت المقدس، ومن ثمّ رُويت عن النبي أحاديث عن تلك الرحلة كان بيت المقدس في صميمها. وهو كذلك جزءٌ لا يتجزّأ من سير أنبياء آخرين، لا تزال الشواهد في القدس تُومئ إلى آثارهم.

ويمكن أن نحصي ضمن هذه المدوّنة أكثر من مائة كتابٍ عربيّ أُلّفت طيلة القرون الماضية، تتبّعَ تواريخَها ومضامينها الباحث شهاب الدين بهادر في كتابه: “معجم ما أُلّف في فضائل وتاريخ المسجد الأقصى والقدس وفلسطين”، ومن أشهر هذه المؤلّفات “فتوح بيت المقدس” لإسحق بن بشر، “مَن نزل فلسطين من الصحابة” لموسى بن سهل، “قضاة فلسطين” لأبي زَرعة الدمشقي، “فضائل بيت المقدس” للوليد بن حماد الرملي. ويبقى أشهرها “فضائل بيت المقدس” لابن الجوزي. كما نجد هذه المناقب مبثوثة في كتب التاريخ وتفسير القرآن وأدب الرحلة، ممّا يؤكّد تجذُّرها في الضمير الجمعيّ وحضورها القويّ في سائر أجناس النّتاج الثقافي العربيّ الإسلامي.

وأما بِنية هذه الكتب فتقوم على فصول قصيرة مادّتها روايات وأخبار دينيّة وتاريخيّة مثل آيات القرآن والأحاديث النبويّة التي وردت في فضل بيت المقدس، وقد يُعرّج على أقوال المفسّرين التي أغنت نصوص القرآن. ولئن بدت هذه الأخيرة في الظاهر محدودة فهي قاطعة الدلالة على المكانة العليا للقدس.

وليست العبرة هنا في صحّة هذه الروايات ولا في ثبوتها من عدمه، وإنما في مدى سعة وظائفها الاجتماعية والنفسيّة لدى أجيال المسلمين. فقيمة هذه الأخبار، بما فيها الضعيفة والواهية، أنها أهابت بالمجاهدين حتى يحرّروا بيت المقدس من الصليبيين في القرون الوسطى. ولعلّها تفعل اليوم الفعلَ نفسه، خصوصاً إذا ما بُعثت في أشكال معاصرة، فتحرِّكُ المناضلين وتشحذ هِمَمهم. 

ويثبت التأكيد المتواصل اليوم في خطاب المقاومة على محورية الدفاع عن بيت المقدس أنّ مكانته المعنوية ليست من الماضي ولا انقضى عهدها، وإنّما هي فكر حيّ يعيش في وجدان الأمة الإسلاميّة على تباعد ديارها، وهي من المشتركات القليلة التي تحرّك مشاعرَهم على امتداد التاريخ والجغرافيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى