تأثير التربية على الأخلاق

الشيخ محمد مهدي النراقي..
الخُلُق عبارة عن ملكة للنفس مقتضية لصدور الأفعال بسهولة من دون احتياج إلى فكر وروية والملكة كيفية نفسانية بطيئة الزوال وبالقيد الأخير خرج الحال لأنها كيفية نفسانية سريعة الزوال، وسبب وجود الخلق أو العادة بأن يفعل فعلا بالرؤية، أو التكلف ويصبر عليه إلى أن يصير ملكة له ويصدر عنه بسهولة وإن كان مخالفا لمقتضى المزاج.
واختلف الأوائل في إمكان إزالة الأخلاق وعدمه، وثالث الأقوال أن بعضها طبيعي يمتنع زواله وبعضها غير طبيعي حاصل من أسباب خارجة يمكن زواله. ورجح المتأخرون الأول وقالوا: ليس شيء من الأخلاق طبيعيا ولا مخالفا للطبيعة، بل النفس بالنظر إلى ذاتها قابلة للاتصاف بكل من طرفي التضاد، إما بسهولة إن كان موافقا للمزاج، أو بعسر إن كان مخالفا له فاختلاف الناس في الأخلاق لاختلافهم في الاختيار والمزاولة لأسباب خارجة.
حجة القول الأول
إن كل خلق قابل للتغيير وكل قابل للتغيير ليس طبيعيا فينتج لا شيء من الخلق بطبيعي والكبرى بديهية، والصغرى وجدانية، فإنا نجد أن الشرير يصير بمصاحبته الخير خيرا، والخير بمجالسته الشرير شريرا. ونرى أن التأديب في السياسات فيه أثر عظيم في زوال الأخلاق، ولولاه لم يكن لقوة الرؤية فائدة وبطلت التأديبات والسياسات ولغت لشرائع والديانات، ولما قال الله سبحانه: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾.
حجة القول الثاني
إن الأخلاق بأسرها تابعة للمزاج، والمزاج لا يتبدل، واختلاف مزاج شخص واحد في مراتب سنة لا ينافي ذلك، لجواز تابعيتها لجميع مراتب عرض المزاج، وأيد ذلك بقوله (ص): (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام) وبقوله (ص): (إذا سمعتم أن جبلا زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم برجل زال عن خلقه فلا تصدقوه، فإنه سيعود إلى ما جُبل عليه).
والجواب إن توابع المزاج من المقتضيات التي يمكن زوالها لا من اللوازم التي يمتنع انفكاكها، لما ثبت في الحكمة من أن النفوس الإنسانية متفقة في الحقيقة، وفي بدو فطرتها خالية عن جميع الأخلاق والأحوال كما هو شأن العقل الهيولائي. ثم ما يحصل لها منهما أما من مقتضيات الاختيار والعادة أو استعدادات الأبدان والأمزجة، والمقتضي ما يمكن زواله كالبرودة للماء، لا ما يمتنع انفكاكه كالزوجة للأربعة. والخبر الأول لا يفيد المطلوب بوجه. والثاني مع عدم ثبوته عندما يدل على خلاف مطلوبهم، لأن قوله: (سيعود إلى ما جُبل عليه) يفيد إمكان إزالة الخلق بالأسباب الخارجية من التأديب والنصائح وغيرهما، وبعد إزالته بها يعود بارتفاعها كبرودة الماء التي تزول ببعض الأسباب وتعود بعد زوال السبب، فلو دام على حفظ الأسباب وإبقائها لم يحصل العود أصلا.
وإذ ثبت بطلان القولين الأولين فالحق القول بالتفصيل، يعني قبول بعض الأخلاق بل أكثرها بالنسبة إلى الأكثر التبديل للحس والعيان، ولبطلان السياسات والشرائع لولاه ولإمكان تغير خلق البهائم، إذ ينتقل الصيد من التوحش إلى الأنس والفرس من الجماح إلى الانقياد والكلب من الهراشة إلى التأدب، فكيف لا يمكن في حق الإنسان، وعدم قبول بعضها بالنسبة إلى البعض له، للمشاهدة والتجربة، وهذا البعض مما لا يكون متعلق التكليف كالأخلاق المتعلقة بالقوة العقلية من الذكاء والحفظ وحسن التعقل وغيرها.
والتصفح يعطي اختلاف الأشخاص والأخلاق في الإزالة والاتصاف بالضد بالإمكان والتعذر والسهولة والتعسر وبالتقليل والرفع بالمرة، ولذا لو تصفحت أشخاص العالم لم تجد شخصين متشابهين في جميع الأخلاق، كما لا تجد اثنين متماثلين في الصورة. ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله: “أعملوا فكل ميسر لما خلق له “.



