تجريف صهيوني ممنهج يستهدف أعرق الحضارات الثقافية العربية

تتالى يومياً، منذ قرابة خمسة أشهر، مشاهد الصور المأساوية الكارثية للتدمير الممنهَج لمدن قطاع غزّة الذي يسكنه أكثر من مليونَي إنسان، سواءً بالقصف الجوّي أو بالتوغّل البرّي الإسرائيلي.
تُعيدنا هذه المَشاهد بالذاكرة إلى ما حدث للمدن العربية ومازال يحدث، منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وما رافقه من قصف جوّي عشوائي تدميري على بغداد، لمبرّرات واهية جدّاً، ثم ما استتبع ذلك، منذ 2011، من قصف وتدمير عشوائي للعديد من أعرق المدن العربية وأقدمها في سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان، قصفٌ لا يزال مستمرّاً حتى اليوم بفعل قوى خارجية وداخلية بسبب الانفجارات المجتمعية الكبيرة التي حدثت فيها.
يستدعي ذلك، أسئلة عديدة وكبيرة: لماذا كلّ هذا الحقد الدفين على المدن العربية؟ لماذا هذا الاستهداف التدميري المُمنهَج للمدينة العربية في زمننا المُعاصر، خصوصاً في منطقتَي شرقي المتوسّط أو ما كانت تُسمّى بلاد الشام، وبلاد ما بين النهرين، العراق اليوم؟.
بعيداً عن الأسباب السياسية الحديثة والراهنة، بتفاصيلها المتشابكة والمعقّدة، والتي تشكّل غطاءً واهياً لهذا الاستهداف، سنحاول الكشف، إن جاز التعبير، عن الخلفيّة التاريخية العميقة التي ولّدت جُرحاً نرجسياً تاريخياً كبيراً عند العديد من القوى في العصور القديمة والوسيطة، مازال يفعل فعله حتى اليوم.
في هاتين المنطقتَين، إضافةً إلى مصر، قامت بعض أقدم الحضارات البشرية المدنيّة في التاريخ، بعد أن استوطنت فيها على الدوام الجماعات والقبائل المهاجرة من مناطق صحراوية عدة من أبرزها جزيرة العرب، فظهرت الإرهاصات الأُولى لمُدن أريحا وغزّة والقدس ودمشق وحلب والرقّة والموصل وبيروت والإسكندرية وجبيل وصيدا وغيرها الكثير. وبرغم الغزوات والحروب التي استمرّت بين مختلف الممالك والإمبراطوريات، بقيت تلك المدن تتطوّر وتلعب دورها الاقتصادي التجاري والثقافي بين مختلف الشعوب والجيوش التي مرّت بها.
وعندما دخل العرب المسلمون هذه المناطق ومدنها، وبعد أن استتبّ لهم الأمر، عملوا على توحيد هذه المناطق تحت راية الدين الجديد، وأطلقوا مبادرات كلّ الجماعات الدينية والأثنية الأقدم في مجالات التجارة والعلوم والثقافة، مع استمرار فتوحاتهم لأقاليم أُخرى، في مختلف الجهات في الشرق والغرب بالآلية نفسها، فجرى بذلك، طيلة قرون العصر الوسيط، ربطُ حضارات العالَم القديم بعضها ببعض، وإعادة إحياء التراث الفلسفي الإغريقي اليوناني القديم بترجمته إلى العربية، في أقدم عاصمتين عربيّتين: دمشق وبغداد.
ونتج عن ذلك مخاضٌ ثقافي فكري كبير ومديد استمرّ قروناً، من القرن السابع إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ظهرت من خلاله أسماء مهمة من مختلف القوميّات والإثنيّات، يجمعها الانتماء إلى مجال الثقافة العربية الإسلامية، مازالت تشغل رجال الفكر والثقافة في عالمنا الحديث والمعاصر، مثل: الكندي، والفارابي، وابن الهيثم، وجابر بن حيّان، وأبي بكر الرازي، والبِيروني، وابن سينا، وابن الراوندي، والحلّاج، وجلال الدين الرومي، وابن عربي، وابن حزم، والجاحظ، وأبي حيّان التوحيدي، وابن رشد، وابن خلدون، والإمام الغزالي، وأبي العلاء المعرّي، والمتنبّي، وأبي تمّام، والسلسلة تطول جدّاً.



