اخر الأخباراوراق المراقب

خصوصية العقل البشري

ان العقل البشري هو من أفضل النعم، التي منَّ الله جلَّ وعلا بها على عباده، ليدركوا صواب الأمور من عدمها، إلا انه برغم القدرات الهائلة، فأنه يبقى محدوداً فيما يخص معرفة حدود الله سبحانه وتعالى، التي لا يعلمها إلا هو.

إن قدرة العقل البشري في معرفة اللّه تعالى وخصوصياته محدودة، فالعقل لا يدرك كثيراً من الأمور ولا يحيط بها، ولكنه قد يصل إلى أمور يمكن أن يدركها. فالعقل يدرك أن اللّه عزّ وجلّ خالق الكون وأنه عالم وقادر وحيّ، أمّا التفاصيل والخصوصيات فبعضها يجب أن تؤخذ من اللّه عزّ وجلّ، أي: من القرآن الكريم، أو ممن عيّنه اللّه تعالى، وهو الرسول (صلى الله عليه وآله)، والأئمة (عليهم السلام)، وهناك بعض الأمور لا يمكن أن يصل لها الإنسان أبداً مثل كنه اللّه وذاته، لأنه تعالى غير محدود، أمّا العقل فهو محدود، فلا يتمكن من الإحاطة بغير المحدود، فإذا كان المدى محدوداً فإن ما زاد عنه لا يمكن أن يُستوعب، فلا يُعقل أن يدرك الطفل الرضيع المسائل العلمية الدقيقة مهما حاول ذلك؛ لأن سعة أفقه محدودة، وإذا شرحنا له ذلك فلا يفهمه، وكذا الحال مع الحيوان؛ لأن ماهية استيعابه لها حدود خاصة؛ لذا قيل: (إن النملة إذا توهمت ربها توهمت أن له قرنين كقرنيها)، لأن مستواها بهذا المقدار ليس أكثر.

والأمر ذاته ينطبق على الإنسان؛ لأن اللّه تعالى غير متناهٍ، أمّا الإنسان فهو متناهٍ، ويمكننا أن ندرك ونعرف أن اللّه تعالى موجود وأن له صفات الكمال وأنه مبرّأ من صفات النقص، لكننا لا يمكن أن نستوعب حقيقة وكنه ذات اللّه تعالى؛ لأنه غير محدود، وعادة ما نعرف الشيء من مثله، وإذا لم يكن له مثل فلا نتعرف عليه في الغالب، مثلاً: يُقال: إن زيداً موجود في القارة الفلانية، فنتصور أن له رأساً وعينين؛ لأننا نعرف زيداً من أشباهه بين الناس، فإذا لم يكن للشيء شبيه، فكيف يمكن أن نعرفه؟.

يقول اللّه تعالى: {أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا} والوادي: هو منخفض من الأرض بين جبلين يستوعب ماءً بقدره، وحسب عمقه، فإذا كان عميقاً فيستوعب ماءً كثيراً، وإذا كان أقل عمقاً فسوف لا يستوعب كثيراً من الماء، وهكذا الأمر بالنسبة لمعرفة الإنسان باللّه تعالى، فنحن نعرف أنه تعالى موجود، لكن حقيقة الذات المقدسة لا يعلمها إلّا اللّه عزّ وجلّ، وقد نهينا عن التفكر في ذات اللّه عزّ وجلّ، فقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «إياكم والتفكر في اللّه، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه»؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يصل إلى ذات اللّه، فإذا فكر في ذلك فربما يتوهم أشياء معينة، ويظن أنها هي اللّه أو صفاته سبحانه وتعالى؛ لذا جاء في الحديث الشريف: «إن اللّه خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكلما وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللّه»، وفي حديث آخر: «الحمد للّه الذي لا يحس، ولا يجس، ولا يمس لا يدرك بالحواس الخمس، ولا يقع عليه الوهم، ولا تصفه الألسن، فكل شيء حسته الحواس أو جسته الجواس أو لمسته الأيدي فهو مخلوق»، فأي شيء نتصوره فهو مخلوق مثلنا؛ لأننا أوجدناه بفكرنا، ولا يمكن أن يكون اللّه عزّ وجلّ ذلك الشيء؛ لهذا نهينا عن التفكر بحقيقة ذات اللّه تعالى، وأمرنا بالتفكر في دقة نظمه ومخلوقاته.

وكما لا نعرف كنه ذات اللّه تعالى، كذلك لا نعرف كنه حقيقة المخلوقات أيضاً، فنحن نرى الماء وآثاره، وأمّا حقيقته فإن العلم يقف حائراً أمامها، وأكثر ما توصل إليه العلم حول الماء، هو أنه مركب من الأوكسجين والهيدروجين، وإن آثاره كذا وكذا، وهو يروي العطشان، فالعلم يجزّئ الأشياء ويبيّن آثارها، وأمّا حقيقة وكنه ذات الشيء فتبقى مجهولة؛ مثلاً الوجود يقال عنه:

فالوجود معروف لدينا كلنا، وهو من أعرف الأشياء، فحتى الطفل الصغير إذا أريته شيئاً وذهبت به إلى مكان آخر فسيقول هذا الشيء موجود أو غير موجود الآن، ولكن كنهه في غاية الخفاء، ولو طرحنا هذا السؤال: ما هي حقيقة الوجود؟ فلا أحد يعرف الجواب، فلو ذهبنا إلى أكبر علماء الفيزياء ومجال الطبيعة وسألناه عن حقائق الأشياء، فسيقول: لا أدري، وإنّما أنا أعرف أنها مركبة من هذه الأجزاء، ولها الخواص الفلانية، وقد يتطور العلم ويكتشف خواص أكثر، فالدواء مثلاً: مركب من كذا وكذا، وإذا مرض إنسان بمرض ما، فإن علاجه يتم بهذا الدواء، ولكن ما هي حقيقة هذا الدواء؟ فهذا غير معلوم لنا.

لذا يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «التوحيد أن لا تتوهمه، والعدل أن لا تتهمه»، بمعنى أن تثبت أن اللّه واحد، وتثبت الصفات التي أثبتها لنفسه، مثل كونه سميعاً بصيراً، وتنفي عنه الصفات التي نفاها عن نفسه، لكن كل شكل خاص تخيّله ذهن الإنسان فهو مخلوق له، ولا يمكن أن يكون هو اللّه عزّ وجلّ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى