اراء

بين الهجمات الصاروخية واستهداف القواعد.. مؤشرات سلوك تتخطى “طوفان الأقصى”

بقلم: وسام إسماعيل..

لم يعد الحديث عن انتقال الكيان الإسرائيلي إلى المرحلة الثالثة في حربه على غزة، كافياً لتوصيف الواقع الحالي في الشرق الأوسط، إذ إن تداعيات المعركة في غزة، قد تخطت حدود جبهات المواجهة المباشرة، أو ما يمكن اعتباره، رداً موازياً لمستوى الهجمات التي يشنها الكيان.

فالدخول الأمريكي المباشر في المعركة، تحت غطاء حماية التجارة العالمية، معطوفاً على الهجمات التي تتعرض لها القواعد الأمريكية، يجعل من الضروري مقاربة المشهد الحالي على وفق تقدير مختلف لمستوى التهديد أو الاضطراب.

فبعد تشديد الولايات المتحدة الأمريكية على بذل جهود دبلوماسية لمنع تمدد رقعة الحرب، وتأكيد الجمهورية الإسلامية أنها غير معنية بتوسيع نطاق الحرب، وأنها تعدّ أي تصعيد في المنطقة نتيجة مباشرة للسلوك الإسرائيلي الذي أبدى حتى اللحظة عدم التزامه بالعمل على ضبط المعركة ضمن حدودها الحالية، كثف الطرفان عملياتهما العسكرية لتغطي مساحة الإقليم بحيث لم يعد يحول دون الحرب الشاملة إلا مجرد الإعلان عنها.

وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد شنّت هجومها على جبهات عدة، من العراق إلى سوريا واليمن، بالتوازي مع تشديدها على تصنيف ضرباتها في خانة الرد على ما تتعرض له من “اعتداءات” حيناً وحماية التجارة العالمية، أي الأمن الدولي حيناً آخر، وبالتالي تقييمها لسلوكها ضمن إطار السلوك الدفاعي والمساعد في تجنيب المنطقة خطر توسع الصراع، فإن رؤية محور المقاومة تفترض عكس ذلك، إذ تصر على اعتبار أن الهدف من هذه الهجمات الأمريكية هو مواجهة كل ما يمكن أن يشكل تهديداً لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وبالتالي اعتبارها عملاً عدوانياً مكملاً للعدوان الإسرائيلي على غزة لناحية تقاطع الأهداف الأمريكية والإسرائيلية بشأن ضرورة الحد من تأثير محور المقاومة في التوازن الإقليمي الذي بدأت ملامحه تظهر مع “طوفان الأقصى”.

وعليه، يمكن قراءة موقف المحور من التحركات الأمريكية، بالإضافة إلى الهجمات التي تطال القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وكان آخرها الهجوم الذي استهدف قاعدة الدعم اللوجستي في الأردن، على وفق رؤية قد تتخطى “طوفان الأقصى” ودعم الكيان لتشمل إفشال المساعي الأمريكية الساعية إلى تكريس وجودها في المنطقة كضرورة لتحصين موقعها العالمي في هذا العقد الحاسم.

فبعد أن أعلن بايدن استراتيجيته للأمن القومي في تشرين الأول 2022، بما أوحى بتهميشه منطقة الشرق الأوسط وتركيزه على احتواء روسيا والصين، اعتبرت الإدارة الأمريكية أن المنافسة الاستراتيجية التي قد تساعد في تعزيز مكانة الولايات المتحدة تفترض إيلاء الاهتمام والوجود حيث يتحرك المنافسون الدوليون، أي ضرورة التركيز على منطقتي المحيطين الهندي والهادئ وعلى منطقة أوروبا. وبالتالي، أوحت الاستراتيجية بأن المرحلة الحالية ستفترض موقعاً هامشياً للشرق الأوسط، إذ ستكتفي الولايات المتحدة بدعم الجهود المبذولة لتطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية والكيان الإسرائيلي، بالإضافة إلى تبنيها سياسة تستهدف احتواء الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة، مع ضرورة تفادي تحوّل الخلافات القائمة مع المحور إلى ما يمكن أن يشعل المنطقة.

تمثل هذه الاستراتيجية الرؤية الأمريكية لكيفية مواجهة المخاطر التي تهدد القيم المكتسبة، ما يعني تقليدياً تحديد التصرفات التي يسعى المجتمع من خلالها إلى حفظ حقه في البقاء (عرفها هنري كيسنجر بأنها تصرفات يسعى المجتمع – عن طريقها – إلى حفظ حقه في البقاء)، فإن القيم المكتسبة هذه لم تعد ترتبط في الوعي السياسي الأمريكي برفاهية المجتمع ومواجهة التهديدات الداخلية والخارجية فقط، وإنما ترتبط أيضاً بضرورة الحفاظ على القيادة الأمريكية للعالم، على اعتبار أن هذه القيادة هي حاجة عالمية.

وبالتالي، فإن الإدارة الأمريكية استدركت ضرورة الحفاظ على نفوذها وموقعها في المنطقة، حيث يمكن تظهير الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط من خلال ضرورة استغلال النفط العربي في مواجهة روسيا، بالإضافة إلى ضرورة استعادة الوجود الأمريكي لحيويته في المنطقة، من أجل مواجهة الولوج الصيني إلى المنطقة، وضبط سلوك الحلفاء الذي اتجه إلى تمتين العلاقة مع روسيا في الفترة الأخيرة.

لم تكن أكثر مراكز الدراسات والأبحاث معرفةً وخبرةً علميةً، قادرة على توقع إمكانية إقدام حركة المقاومة الإسلامية “حماس” على تنفيذ عملية “طوفان الأقصى”.

وللإضافة، فقد أوردت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقريرٍ، أن الاستخبارات الإسرائيلية توقفت عن التجسس على حركة المقاومة الإسلامية حماس في العام الأخير. وعليه، واجه الكيان الإسرائيلي ومن خلفه الولايات المتحدة الأمريكية، حدثاً أربك الحسابات وفرض عليهما ضرورة الاستجابة سريعاً لنتائج هذا الحدث.

ولإضافة مزيد من التعقيد إلى الواقع الأمريكي، شكلت “وحدة الساحات” فشلاً موازياً لفشل الاستخبارات الأمريكية في توقع حدث كـ”طوفان الأقصى”، إذ إن الرؤية الأمريكية لواقع المنطقة كانت تفترض في التهدئة الإقليمية مصلحةً إيرانية، وبالتالي ستنعكس هذه المصلحة ضبطاً إيرانياً لساحات محور المقاومة خشية إثارة الولايات المتحدة.

وإذ فشلت الإدارة الأمريكية في تقدير رؤية محور المقاومة لناحية اعتبار خطاب المحور في وجه الكيان مجرد تهويل وبروباغندا تستهدف الردع من ناحية، وتعبئة البيئة الحاضنة له من ناحية أخرى، من دون وجود أية نية للتحرك ضد الوجود الأمريكي في المنطقة، فقد كان لازماً عليها التحرك بما قد يساعد في استعادة ظروف تناسب الرؤية التي افترضتها استراتيجية بايدن للأمن القومي.

في هذا الإطار، أظهر التوازي بين نشاط جبهات الإسناد والتصريحات الإيرانية عدم وجود نية أو رغبة في تحويل “طوفان الأقصى” والعدوان على غزة إلى حرب إقليمية شاملة من ناحية، وبين الهجمات التي تعرضت لها القواعد الأمريكية وقواعد الموساد ومواقع الجماعات الإرهابية في أكثر من مكان في الشرق الأوسط من ناحية أخرى، قراءة محور المقاومة للواقع في الشرق الأوسط والعدوان الأمريكي على اليمن والعراق، بالإضافة إلى سياسة الاغتيالات التي تمثل تعاوناً وتنسيقاً أمريكياً – إسرائيلياً عالياً بطريقة تتخطى في مضمونها ما يمكن اعتباره مجرد إسناد للمقاومة في غزة، لتطال محاولة التأثير في واقع المنطقة تحت عنوان التوازن الإقليمي المساعد في إرساء نظام متعدد الأقطاب على أنقاض الأحادية الأمريكية.

وبالتالي، فقد استهدف حراك محور المقاومة الرد على محاولة الولايات المتحدة لاستعادة ثوابت تفوقها في المنطقة. فمحاولة استعادة المبادرة في البحر الأحمر وباب المندب، بالإضافة إلى ردها على الهجمات التي تطال وجودها في العراق وسوريا والأردن، لا يمكن اعتباره محاولة تستهدف في المقام الأول دعم الكيان في عدوانه، وإنما تستهدف الحفاظ على موقع يضمن مزايا ذات أهمية فائقة تساعد في تعزيز المصالح الحيوية للولايات المتحدة وتمكنها من التفوق على منافسيها الجيوسياسيين.

وبالتالي، فإن مؤشرات سلوك محور المقاومة، تؤكد أن التجاذبات التي ستحكم مرحلة ما بعد الهجمات التي تعرضت لها القواعد الأمريكية وقواعد الموساد والإرهابيين، والتي شهدت مشاركةً إيرانيةً مباشرة، تتخطى في أبعادها نتائج “طوفان الأقصى” مؤشرات سلوك محور المقاومة، تؤكد أن التجاذبات التي ستحكم مرحلة ما بعد الهجمات التي تعرضت لها القواعد الأمريكية وقواعد الموساد والإرهابيين، والتي شهدت مشاركةً إيرانيةً مباشرة، تتخطى في أبعادها نتائج “طوفان الأقصى” وتداعياته لتطال مشروع الولايات المتحدة الذي حددته استراتيجية بايدن للأمن القومي. وعليه، فإن سيناريوهات المرحلة المقبلة لن تهمل إمكانية توسع أبعاد المواجهة وأطرافها. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى