“خارج الجوق”.. قصائد بشاعرية عالية عن القضايا الوطنية والإنسانية ومآسي الحروب

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يعد الشاعر أمير الحلاج، واحداً من الشعراء الذين يجيدون التحدّث بشاعرية عالية عن القضايا الوطنية والانسانية ومآسي الحروب التي مرّت على العراق طوال السنوات الماضية، ومجموعته النثرية الشعرية (خارج الجوق) خمسة وأربعين نصاً، تنوعت من حيث الثيمة ووحدة الموضوع، حيث تنوع الحياة ومتغيراتها، بلغة شعرية انزياحية معبرة وخيال خصب ورؤية فنية رسخها الشاعر بخطوة جديدة موفقة، وهنا قراءة نقدية للناقد يوسف عبود جويعد لهذه المجموعة خصَّ بها “المراقب العراقي”.
في خطوة ثانية وجديدة نحو ترسيخ رؤيته الفنية في بناء النص النثري الحديث، يقدّم لنا الشاعر أمير الحلاج، مجموعته الشعرية النثرية الجديدة (خارج الجوق)..
ربما خارج الجوقِ أعزفُ،
حيث انفرادي وقوفاً،
له نسقٌ
يملك البصمة المشرقة.
وله بابُ رؤيا
تطلُّ الى الصبح،
تنثر فوق الرؤوس،
تباشيرَ هلِّ ابتسامات عطرٍ يضوعُ،
ولكنني أخلعُ الشمسَ من وجه طلّتها،
كلما لاحَ بعضُ بصيصٍ من الليل،
يفتح نافذةً لشروقي،
إلى اللحظة الآسرة.
وفي هذا النص، يؤكد لنا الشاعر حقيقة اختياره لهذا المسار الفني، لبنية النصّ الشعري، معتمداً على هذا النقل الواضح، بل والانتقال بالمتلقي، من عالمه الى حيث يريد الشاعر أن يكون وسط عمق تلك الانزياحية الممتلئة، حساً شعرياً عالياً والتي هي أكثر تعبير من غيرها، في الطواف بين الوجدان والعاطفة والوحدة والشعر، ليتأكد لنا أن اختيار اللحظة الآسرة وتوظيفها بصورة مغايرة، تكون أكثر هيمنة على الذات وانصهار المتلقي في بوتقتها الفاعلة.
أما قصيدة (على خط الحدود) فهي معاناة وألم وقسوة وحس محير بشكل لا يمكن أن نصل الى ما يدركه إلا بعد هذا لانتقاله من الرؤية الاعتيادية الى الرؤية الشعرية الممزوجة بهذا الهم الانزياحي، حيث نجد أن رؤية الشاعر لهذا النص، تقف عند المرء وهو يقف بين دولتين، وطنه الذي سيغادره، والآخر الذي سوف يلفه بين التيه والضياع وعالم الغربة الحزين:
بين دولتين،
على خطّ حدودٍ وقفتُ،
أمدُّ اليمين، فتلتصق مادةً جذرَها اليسارُ
فكأني على البرزخِ
غزتني الحيرة،
هل أخرج القدمين من سطوة الوقوف
فأمضي
وبي جهل من قادم يراودني بسطوته؟
وفي القصيدة النثرية الشعرية (عيد) يذكرنا الشاعر وبرؤية شعرية فائقة الروعة بهذه المناسبة التي رافقتنا منذ ولادتنا، وتظل طقوساً خالدة لها وقعها الغريب على النفس، لأنها شحنة من الذكريات لا تنضب:
بإطلالته البهية،
تتألّق الطقوس،
وتنداح مساراتُ التغني بشذا سطوته،
هو المهيمن كانفجار،
يقلب سحنة السواد المعطل،
بما تنثر الشمس من قطرات تعرقها
أو ما يفرُّ من سكينة البكاء،
بعضٌ
يطرق أبواب ذوي القربى
وبعضٌ
يتنقل في مركبات السفر
وبعضٌ
يحضن أجواء البيت،
وهكذا تنطلق المشاعر الجياشة لحب هذه المناسبة وتنقل لنا، تفاصيل دقيقة ومهمة وبرؤية شعرية وبخيال خصب.
وهكذا يتأكد لنا ومن خلال رحلتنا هذه، أن الشاعر يمسك باللحظة المستجزأة من طقوس الحياة وحالاتها، ليحيلها الى بنية نصية شعرية حسية مفعمة بالحس المضمر خلف تلك الانزياحات الصورية والاستعارات التعبيرية.
وفي القصيدة النثرية الشعرية (اللجام)، ينقلنا الشاعر من واقع حياتنا الى حيث الشعر، من خلال نص نثري شعري، يتحدث عن الارادة وعدم التردد، ويجب الامساك بزمام الأمور، واتخاذ القرار الشجاع:
بين أن ترتقي، تقليد الطير،
وبين أن تلتحف الرمل،
فاصلٌ يطنب خط الحدود،
مرآة تصدك ضوءاً يرتد،
فاحزم أمرك للشروع،
كي لا يمسك كفيك اللجامُ.
وفي القصيدة النثرية الشعرية (متعجل) ننتقل الى رؤية جديدة، عندما يتعجل الابن الرحيل والوداع، تاركاً أبويه شيخين كهلين وظهرين منحنيين، وحزن كبير، ولحظة فارقة موجعة:
أيها المتعجُّلُ لحَمْلِ الحقيبةِ،
قبل أن يتذوق (الأوكسجين)،
من منخريكَ الطعم،
وقبل أن يسخنَ الزفيرُ
آليتُ إسدالَ الدركِ المشيَّدِ،
لالتقاط السقطِ،
لم تعر اهتماماً، لظهرين منحنيين،
كَسَرَ الصبْرُ بياضَ العيون،
وهدّ الحالُ الهمَّة،
فاستفحل الوضعُ المجُبَّرُ،
كي تنقلب الصورة،
وفي القصيدة النثرية الشعرية (بوصلة)، يقودنا الشاعر الى ضرورة الانتباه للحديث حتى وإن اخترت رفاقك، لأن لا شيء يبقى في الخفاء، وأنت الذي تقود البوصلة:
افعلْ ما شئْتَ،
وغير اتجاه البوصلة،
واخترْ رفاقكَ
وانطفئ في الأحاديث،
لا شيء يبقى في الخفاء،
إن الأحاديث مارست البكم
كي يبقى على حاله البدءُ
في الكرسي المتحرك يستجدي الدافع.



