أروى بنت الحارث.. أحد فرسان الإمام علي (ع)

إذا كانت جبهة أمير المؤمنين العسكرية في قتاله الناكثين والقاسطين والمارقين، قد ضمّت الأبطال وأجلاء الصحابة وأفضلهم وأفاضل التابعين، فقد ضمّت الجبهة الداخلية للإمام، أعلام الكلام وفرسان الحق في المناظرة.
ومثلما ضمّ جيشه، أبطال الإسلام وصناديده من الصحابة الأوائل، أمثال: عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت، وسهل بن حنيف وغيرهم، وشجعان التابعين، أمثال: مالك الأشتر وأويس القرني ومحمد بن الحنفية وغيرهم.
فقد وقف أرباب الكلام وألسنة الحق للتصدي للإعلام الأموي المزيف الذي ابتدعه معاوية لتشويه الإسلام الحق المتمثل بأمير المؤمنين، فتصدّى لهذا الإعلام بلغاء الأمة وأصوات الحقيقة أمثال أبي الأسود الدؤلي، وعامر بن فضالة، وضرار بن ضمرة، وغيرهم.
وكانت إلى جانب هذه الأصوات الشريفة أصوات نسائية مفعمة بالإيمان الخالص بالله ورسوله وراسخة في ولائها لأمير المؤمنين من المؤمنات الفاضلات الصالحات القانتات وفي طليعة نساء الإسلام في الفضل والتقوى.
أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ابنة عمّ رسول الله وأمير المؤمنين وأخت أول شهيد في الإسلام عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، كانت في صدارة هذه الجبهة فصدحت هذه اللبوة الهاشمية بـ (كلمة الحق بوجه السلطان الجائر) غير عابئة ببطشه ولم يثنها عن قولها غضبه ولم تخشَ في الله لومة لائم.
وصفتها المصادر بأنها من كرائم النساء في دينها وشجاعتها ومنطقها وولائها لأمير المؤمنين ومن ربّات الفصاحة والبلاغة والشعر، كانت أشد الوافدات من نساء الشيعة على معاوية، حينما وفدت عليه فيمن كان يستدعيهن من نساء الشيعة اللواتي وقفن إلى جانب معسكر الحق مع أمير المؤمنين، فوقفت أمام طغيان معاوية وتحدته ولم تترك له عيباً إلا فضحته، ولا سوءة إلا نشرتها، وأسمعته ومن معه كلاماً أشد عليهم من السيف.
دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية بالموسم وهي عجوز كبيرة، فلما استقر بها المجلس قالت لمعاوية: لقد كفرت بالنعمة وأسأت لابن عمّك على الصحبة، وتسميت بغير أسمك، وأخذت غير حقك، بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام، ولقد كفرتم بما جاء به محمّد بن عبد الله، فأتعس الله منكم الجدود، وأصعر منكم الخدود، حتّى ردّ الله الحقّ إلى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبيّنا محمّد هو المنصور على من ناوأه ولو كره المشركون.
فكنا أهل البيت أعظم الناس حظاً ونصيباً وقدراً في الدين، حتى قبض الله نبيه مغفوراً ذنبه، مرفوعاً درجته، شريفاً عند الله مرضياً، فصرنا أهل البيت فيكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيّد المرسلين فيكم بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى، حيث يقول: يا بن اُم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولم يجتمع بعد رسول الله لنا شمل، ولم يسهل لنا وعر، وغايتنا الجنّة وغايتكم النار.
كان المجلس صامتاً، وكأن على رؤوسهم الطير وهذه اللبوة هي المتكلمة الوحيدة في المجلس فأخرست ألسنة الباطل أمام قوة منطقها وبيان حجتها، وحينما وصلت إلى هذا الموضع من كلامها نطق أحد سماسرة معاوية وشركائه في الباطل والإجرام وهو عمرو بن العاص، فقال: أيتها العجوز الضالة أقصري من قولك، وغضّي من طرفك.
هنا التفتت أروى إليه، وقالت: ومن أنت لا اُم لك؟ قال: عمرو بن العاص، فقالت: يا ابن اللخناء النابغة أتكلمني؟ أربع على ضلعك، وأعن بشأن نفسك، فو الله ما أنتَ من قريش في اللباب من حسبها، ولا كريم منصبِها، ولقد ادّعاكَ ستة من قريش كلهم يزعم أنه أبوك، ولقد رأيتُ اُمك أيّام منى بمكة مع كل عبدٍ عاهرٍ فأتمّ بهم فإنك بهم أشبه.
لقد أثار هذا الكلام الذي بيّنت فيه نسب عمرو بن العاص المخزي الذي يعرق له جبين كل إنسان شريف حفيظة مروان بن الحكم الذي شابه نسبه في الخزي نسب عمرو بن العاص وشابهت أمه الزرقاء أم عمرو في العهر، فقال مروان لكي يسكتها ولا تتعرض له بالكلام:
أيتها العجوز الضالة ساخ بصرك، مع ذهاب عقلك فلا تجوز شهادتك، فالتفتت أروى إليه بنظرة استحقار وكأنها تأنف أن تتحدث إليه لو لم يوقع نفسه بنفسه بين حد لسان الحق ويجلد به، فقالت له:
يا بني أتتكلم؟! فو الله لأنت إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم، وإنك لشبهه في زرقة عينيك وحمرة شعرك، مع قصر قامته وظاهر دمامته، ولقد رأيت الحكم ماد القامة ظاهر الأدمة وسبط الشعر، وما بينكما من قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرب، فاسأل اُمك عما ذكرت لك فإنها تخبرك بشأن أبيك إن صدقت، ثم التفتت إلى معاوية، فقالت: والله ما عرضني لهؤلاء غيرك، وان اُمك هذه لَلقائلة يوم أحد شامتة متبجّحة في قتل حمزة بن عبد المطلب رحمه الله.



