“قميص”.. إنسان عراقي أنهكته الحروب الصدامية العبثية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يُعد الكاتب كامل الدلفي واحدا من الذين استطاعوا كتابة العديد من القصص التي تؤرشف الإنسان العراقي الذي انهكته الحروب الصدامية العبثية وأكلت الاخضر واليابس ومنها قصة “قميص”.
وكتب الناقد داود السلمان دراسة ارسلها الى “المراقب العراقي” وجاء فيها: ان “القصة القصيرة، ولاسيما القصيرة جدًا، كما هو واضح، هي لون من أروع الابداع الأدبي، وذلك لاعتبارات كثيرة؛ لعلّ منها قضية “التكثيف” حيث يجب أن تكون القصة القصيرة مكثفة المعاني، مضغوطة الجُمل، مسبوكة سبكا، بمعنى آخر يسودها طابع البلاغة، وتتمركز فيها الروح الفلسفية، ويسيطر على أجوائها “الرمز”، ثمَّ على الكاتب أن يختار الكلمات بعناية ودقة فائقتين، ومن ثم تُصاغ عن حرفة ودراية عاليتين. أضافة إلى “لعبة الكاتب” إذا سُمح لي بأن أطلق هذه العبارة الاخيرة، أو هذا المصطلح الذي أخرجته من عندياتي ومن اختراعاتي. وأعني بلعبة الكاتب هو أن يدهش القارئ ويفاجئه بخاتمة قصته، لتكون ضربة قاصمة للحدس الذي يبيته القارئ في ذهنه، وهو يسيح في حقول القصة تلك، سياحة ذهنية جمالية والتي يظهر أنها اثارت اعجابه، وفتنت لُبه. لأنّه لولاه لم تثر أعجاب القارئ (وهنا لابد أن يلعب الكاتب لعبته الابداعية كي يجر القارئ إلى مرمى الهدف الذي رسمه مسبقا، وهو من أولويات نجاح العمل)، فإن الكاتب قد أخفق، أي أن عمله هذا بسيط جدًا، وسطحي ليس ذا أهمية تُذكر.
كما أن العنوان مهم جدًا، أي لا يكون تقليديا، العنوان الصادم يثير الأهمية لدى القارئ، لا سيما القارئ غير التقليدي، الساذج الغرير، أما القارئ الذكي فأن العنوان المغاير غير التقليدي، فهو مهم جدا لهذا القارئ، حيث يثير حفيظته.
القصة القصيرة جدا، لا تتحمل السّرد الطويل والوصف المتشعب كما هو معلوم، لأنّ ذلك يربك النص القصصي، فيخرج عن النهج المرسوم لشروط كتابة هذا اللون من الابداع.
وإذا كان الأمر كذلك، نستطيع القول إن روعة القصة القصيرة تأتي من كونها، تجذب القارئ أزره للمتابعة والاستمرار حتى النهاية، للاعتبارات التي ذكرناها آنفا، ونظيف بأنها تكون كوجبة فكرية سريعة، لا تأخذ من وقت القارئ إلّا اللحظات اليسيرة. كذلك من كونها لا تحتاج إلى الدقة وإرباك الذهن بالتركيز.
كما قلنا في أكثر من مكان، نؤكد هنا أن القصة القصيرة لابد أن تتمتع بطابع الرمز، فالرمزية هي عامل مهم ومن خصوصية منهج هذا اللون من الابداع، بحيث إذا أخلّ الكاتب بشرط من شروط هذا الطابع، سيصبح العمل عبارة عن “حكاية”، بل سيصبح باهتا لا طعم له.
القاص كامل الدلفي في هذا القصة القصيرة، استخدم أعلى سلّم من سلالم الرمز، حيث جعل بطل قصته “قميص” رداء – جلباب، وهذا القميص وظفه الكاتب بـ “السوق، الزمن، الواقع التعيس، تقلبات الحياة التي يعيشها إنسان اليوم، ضياع الإنسان…ألخ.
“القميص” ويرمز به الكاتب للإنسان الذي ملأ الارض بالضجيج، والصخب المفتعل، وكذلك بالطغيان والاستبداد، وراح يفتك بابن جلدته، بأسباب وبدون أسباب، وهذا هو ديدنه، واخلاقه التي سار عليها منذ وجوده على ظهر البسيطة، يوم كان أشبه بالحيوان الأعجم. بل هو ذلك الكائن المجهول، كم عبر عنه الطبيب ألكسيس كاريل. لكن الانسان، رغم تمرده، على واقعه وعيشه، تعرّض إلى النكبات، والى التصدعات النفسية والفكرية، وإلى العنف والقتل، من قبل أخيه الإنسان، وضاعت حقوقه وهتك كرامته، وسُلبت حريته حتى صار متشردًا، خائفا مندحرًا، يتلفت يميلا وشمالا مرهوبًا لا يأمن على حياته، فالقوي يقتل الضعيف، كالحيوان الذي يعيش في غابة مترامية الاطراف.
هذا هو حال الإنسان، منذ مئات وربما آلاف السنين؛ وكان يتصور أن تلك الحقب المظلمة ولّت حيث لا رجعة، لكن للأسف لم يتغير شيء من واقع هذا الانسان عاثر الحظ، فاليوم يعيش القلق ذاته، والخوف ذاته، والوضع المزري لم يتغير منه قيد أنملة.
إنسان اليوم، انهكته الحروب العبثية التي يفتعلها تجارها من الذين تعالوا في الأرض، وراحوا يسومونه سوء العذاب، حتى صار لا قيمة له، رغم كون الإنسان هو اعظم قيمة في هذا الوجود، لأنه كائن يفكر ميزته إنه يمتلك عقلا جبارًا، وهو ما يفرقه عن بقية المخلوقات.
القاص لم يفرض فلسفته في هذه الاطروحة الابداعية “القصة”، بل هي جزء كبير من واقع، عاشه الإنسان وذاق مرارته منذ تاريخه الطويل، وكلما طال به الزمن، وتغيرت الحياة ازدادت معاناته، وهُضمت حقوقه. فالقاص أبدع في ايصال اطروحته، من خلال رسمه لصورة تمثلت بهذه القصة القصيرة جدا، بسردية اختار فيها كلماته بانتقاء، وبجمل منتظمة لا يشعر بها القارئ بالسأم وهو يقرأ هذه السطور بوهج، وبمتعة.



