اخر الأخبارثقافية

“تابوت”.. الروح الإنسانية الباسلة حاضرة بتوقها الوجودي نحو الانعتاق 

المراقب العراقي / المحرر الثقافي..

تُعد مجموعة”تابوت” للشاعر طالب فرعون واحدة من المجاميع الشعرية التي تعكس الواقع العراقي المنهك بسبب الحروب التي خاضها الطاغية المقبور وسنوات الحصار في التسعينيات فضلا عمّا خلفه الاحتلال الامريكي من اثار سلبية على سلوكيات المواطن، فلذلك قصائد هذه المجموعة تمثل الحياة العراقية بامتيازها الوطني المُعبَّأ بالخسائر والحسرات والانتظار الدائم كما تظهر الروح الإنسانية الباسلة حاضرةً بتوقها الوجودي نحو الانعتاق  .ومن هنا كانت رؤية الناقد رضا المحمداوي الذي كتب هذه القراءة النقدية عن هذه المجموعة ما نصه: 

ما إنْ تقرأ عنوان المجموعة الشعرية ( تابوت) للشاعر طالب فرعون ،حتى تتوقفَ عندهُ ،فهو عنوان لافت ومثير للتساؤل عن القصدية في اختيار هذا العنوان دون سواه باعتبارهِ العتبة الأولى للمضمون والمعنى العام للنصوص . وحتى صيغة النكرة التي جاء بها العنوان دون استخدام أداة التعريف ، أضافتْ إبهاماً آخر وزادتْ من ضرورة تأمّل ذلك العنوان وإطالة الوقوف عنده”.

ولا تخفى دلالة العنوان الواضحة وهي التهيؤ للخطوة الأولى لما بعد الموت حيث يبدأُ الجسدُ رحلتَهُ الغامضة نَحوَ المجهول إذن ثمَّة موت ، وثمَّة رصد ومراقبة لموت الأشياء ومعانيها في الحياة العامة ،الحياة العراقية بامتيازها الوطني المُعبَّأ بالخسائر والحسرات والانتظار الدائم الذي لا ينتهي لما يمكن أنْ يجودَ به الزمان العقيم ، وجرّاء ذلك كله تبدأُ الحياة .. خلايا الحياة بالاحتضار ، في حين تبقى الروح الإنسانية الباسلة حاضرةً بتوقها الوجودي نحو الانعتاق من هذه القيود ،ومحاولة الانشداد والالتصاق بالنسغ الحيوي المتدفق في أعماقها”.

وإن ذلك الإنسان يحاول الخلاص من ذلك القدر الوجودي العراقي المحكوم بالموت العام للحياة ، لكنَّهُ يعترف ،من جانب آخر، بأَنهُ وضع قدميه عند المفترق الصحيح للضياع ، ورغم ذلك يبقى يُلقي أحجارَهُ المتناثرة في المياه الراكدة لتلك الحياة الميتة، ويرنو في ذات الوقت إلى السماء ويحلم بالتحليق وكأنَّهُ لمْ يخرجْ إلى تلك الحياة بعد.

وفي الهمِّ الوجودي يعودُ الشاعر إلى أساس الخليقة التكويني … إلى الطين بهيأتهِ الأولى حيث تتنازعهُ الملائكة والشياطين، وهذا الطين الثقيل والمُلوَّث بالخطيئة والمعصية ما زال يعيق عملية التحليق للخلاص من ذلك القدر وقيودِهِ، وفي خضم هذا الاشتباك الحياتي يقول الشاعر: (لماذا علينا أن نستمر؟) حيث ينبثقُ السؤال عن الحياة والمعنى والوجود.

إنَّ” ذلك (التابوت) قد تمَّ إعدادهُ وتجهيزهُ كي يضمَّ الصور المتكاثرة لجثامين الحياة وأشكالها المتعددة التي احتواها النضوب واليباس وأحاط بها الجفاف ، سواءٌ أكان أحاط بها الموت من خلال التأريخ المكتوب بتعسف ،أو الذكريات الميتة ، أو الحياة المعاشة التي تتسربُ من الذاكرة التي استحالتْ إلى كيسٍ مثقوبٍ برصاصاتٍ طائشة”.

ويأخذُ تجسيد الموت عبر المعادل الصُوري والتعبيري مديات متباينة يمتدُّ من المُدن المُهملة ، والأحلام المُحبطة، والسير لمسافات طويلة في طرق مجهولة وقد تراكمتْ الخيبات مِثلَ مياهٍ آسنةٍ ، وترَكتْ آثارَها وندوبَها على جسد تلك الحياة التي نحياها ممهورةً باللوعة والندم والحسرة ، وقد تمطرُ السماء حزناً وتمحو تواريخ البهجة، وتشيع الخوف والألم والهزيمة لتتركَ لنا حياةً بائسةً تسيرُ ببطءٍ ورتابةٍ مقيتة ثم بعد ذلك علينا أنْ نُسددَّ الفواتير وندفع الديون المتراكمة للحزن للتخلص من ثقل الهزائم، وحتى إذا حاولنا الهروب من كل ذلك فأنَّ محاولتنا تبوءُ بالفشل لنعودَ إلى إدمان الوهم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى