نفقة الزوجة.. قراءة في الأدلة والمفاهيم والآراء

الشيخ عبدالله اليوسف..
تترتب على إيجاد عقد الزوجية بين الرجل والمرأة، مجموعة من الحقوق والواجبات المتبادلة، إذ يجب على كل طرف، القيام بواجباته، وتوفير الحقوق التي للطرف الآخر، فحقوق الزوج على زوجته، هي واجبات بالنسبة للزوجة ويلزمها القيام بها، كما أن للزوجة حقوقاً على زوجها، وهي واجبات بالنسبة للزوج ويلزمه القيام بها، وبهذه الحقوق والواجبات المتبادلة، تُبنَى الحياة الزوجية على أسس صحيحة وقوية، وتؤدي إلى نجاح الحياة الزوجية، ونشر السعادة في أركان وأجواء البيت العائلي.
ومن أهم حقوق الزوجة هو: حق النفقة، حيث يجب على الزوج القيام بتوفير النفقة لزوجته، مادامت المرأة مطيعة لزوجها، وقائمة بواجباتها الشرعية تجاه زوجها، وفي هذه الدراسة، سنتناول بشيء من التفصيل، كل ما يتعلق بحق النفقة من مسائل وأحكام وأبعاد، كمفهومها، ومقدارها، وشرائط استحقاقها، ومسائلها المختلفة، وذلك لأهمية هذا الحق في تثبيت البناء العائلي، وتوفير السعادة والمحبة في كيان الأسرة.
مفهوم النفقة
للنفقة معنيان :
1 ـ المعنى اللغوي:
إنفاق: مصدر أنفق الرجل، أي افتقر وذهب ماله، وأنفق المال: أنفده وأفناه، وهو من نفق بمعنى نفِدَ، يقال: نفق الشيء: مضى ونفِد، ونفقت الداّبة: ماتت، ونفقت الدراهم: ذهبت.
والنفقة: اسم من الإنفاق وما يُنْفَق من الدَّراهم ونحوها والزَّادُ وما يفرض للزوجة على زوجها من مالٍ للطَّعام والكساء والسُّكنى والحضانة ونحوها، وجمعها نَفَقَاتٌ، ونِفَاقٌ .
2 ـ المعنى الاصطلاحي:
يراد بالنفقة بمعناها العام: إنفاق المال في وجوه الخير بوجه عام، ولعل تعريف كمال الدين ابن الهمام هو أفضل التعاريف ـ كما يرى الشيخ محمد مهدي شمس الدين ـ حيث عرف النفقة في الشرع بأنها: الإدرار على الشيء بما به بقاؤه .
ويُلاحظ على هذا التعريف: أن النفقة لا تقتصر على ما به البقاء، حيث أن هذا المقدار هو النفقة لرفع الضرورة ودفع الهلاك، وأما النفقة في الشرع ـ المبنية على موازين العرف ـ فهي ما به البقاء والنماء، أي بحيث تساعد موردها على استيفاء حظه الطبيعي ـ بحسب أصل الخلقة ـ من النمو والكمال والتكامل مع المحيط، وإلا، فإن الاقتصار في النفقة على خصوص ما به البقاء، ليس من النفقة عند أهل العرف، ويعد العرف من يقتصر عليها مقصراً، إذا كان قادراً على ما به النمو والكمال.
وهذه هي النفقة الواجبة، وأما المستحبة فتتسع لأكثر من هذا لتشمل الإحسان والإفضال في غير ضروريات البقاء والنماء، ولعله من الأنسب تعريف نفقة الزوجة بأنه: النفقة الواجبة على الزوج لزوجته من الإطعام والكسوة والمسكن وآلات التنظيف والطبخ وسائر ما تحتاجه بحسب حالها عرفاً، ويغلب استعمال مفهوم (النفقة) في الإنفاق على واجبي النفقة كالزوجة والأقارب والمملوك إنساناً كان أو غيره.
موجبات النفقة
الأسباب الموجبة للإنفاق بالسبب ثلاثة وهي:
1 ـ الزوجية.
2 ـ القرابة.
3 ـ الملك.
وجوب نفقة الزوجة
اتفق الفقهاء جميعاً على أنه يجب على الزوج، أن ينفق على زوجته حتى ولو كانت غنية، من غير فرق بين أن تكون الزوجة مسلمة أو غير مسلمة، مادامت تؤدي واجباتها الشرعية تجاه زوجها، والدليل على ذلك من مصادر التشريع الإسلامي الأربعة كالتالي :
الأول: القرآن الكريم:
استدل الفقهاء على وجوب نفقة الزوجة على زوجها بآيات عديدة … منها:
1 ـ قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ …﴾ – ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ فالله سبحانه وتعالى ذكر سببين لكون الرجال قوامين على النساء وهما :
الأول: تفضيل بعض خلقه على بعض من حيث زيادة العقل وحسن الرأي والعزم .
الثاني: بما أنفق الرجال على النساء من المهر والنفقة.
الثاني: السنة النبوية :
وردت روايات كثيرة تدل على وجوب نفقة الزوجة على الزوج، ومن هذه الروايات :
1 ـ عن ربعي بن عبدالله والفضيل بن يسار جميعاً، عن أبي عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ – ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ قال: إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة وإلا فرق بينهما.
الثالث: الإجماع :
إن مسألة وجوب نفقة الزوجة على زوجها من الأمور المجمع عليها عند المسلمين جميعاً، قال صاحب الجواهر: ((لا تجب النفقة من حيث كونها نفقة ـ لا من حيث توقف حفظ النفس المحترمة ـ إلا بأحد أسباب ثلاثة: الزوجية والقرابة والملك بإجماع الأمة، كما عن جماعة الاعتراف به)).
الرابع: العقل:
الإنفاق على الزوجة الدائمة من الواجبات العقلائية النظامية التي لا اختصاص لها بملة دون أخرى؛ بل هي جارية في جميع الملل والأديان والأمكنة والأزمان من حين حدوث الزواج بين آدم وحواء إلى انقراض الدنيا. وهذه هي سيرة العقلاء حيث يقوم الأزواج بدفع النفقة لزوجاتهن في كل زمان ومكان، فثبت بذلك – من خلال القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع والعقل – أنه يجب على الزوج الإنفاق على زوجته بلا خلاف ولا إشكال.



