لوحات ستار لقمان .. بغداد كائن حي نابض يتنفس عبر اللون والخط والرمز

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
ترى الناقدة أميرة ناجي أن أعمال ستار لقمان لا تُظهر بغداد كحيز عمراني ثابت بل ككائن حي نابض يتنفس عبر اللون والخط والرمز، فالمدينة هنا تتحول إلى حالة شعورية تتداخل فيها العمارة مع الوجوه.
وقالت في قراءة نقدية خصت بها “المراقب العراقي”:إن” بابلو بيكاسو يقول إن الفن لا يقلد الطبيعة بل يعيد خلقها ،تفتح مقولته أفقا جوهريا لفهم طبيعة الفن الحديث باعتباره فعلا إبداعيا يتجاوز حدود النقل البصري للواقع ليغدو إعادة صياغة للوجود عبر الذاكرة والوجدان والتجربة الذاتية، فالفنان الحديث لا يقف عند موقع الشاهد المحايد بل يتدخل باعتباره صانعا لعوالم بديلة تنطلق من المحسوس والمُعاش وتتقاطع مع المتخيل والمستعاد في آن واحد ويتجلى هذا الفهم بوضوح في تجربة الفنان العراقي ستار لقمان الذي لا يرسم بغداد كما تبدو للعين بل كما تقيم في الذاكرة مدينة مشبعة بالرموز مثقلة بالتأريخ ومضيئة بالحنين رغم ما يحيط بها من عتمة”.
وأضافت :”في أعمال ستار لقمان لا تظهر بغداد كحيز عمراني ثابت بل ككائن حي نابض يتنفس عبر اللون والخط والرمز، فالمدينة هنا تتحول إلى حالة شعورية تتداخل فيها العمارة مع الوجوه وتتماهى الأقنعة مع الطيور وتتشابك الرموز مع الشخوص ضمن نسيج بصري يستدعي الموروث الحضاري لبلاد الرافدين ويعيد تشكيله ضمن رؤية تعبيرية تجريدية معاصرة هذا التداخل لا يأتي كفعل تزييني بل كاستدعاء واع للذاكرة الجمعية ومحاولة جادة لإعادة بناء الهوية البصرية للمدينة في مواجهة النسيان”.
وتابعت :”ترتكز الجذور التكوينية لهذه التجربة على التكوين الأكاديمي للفنان الذي تخرج من معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1967 وهي مرحلة مفصلية في تأريخ الفن العراقي الحديث حيث تصاعدت الأسئلة المرتبطة بالهوية والتراث والحداثة وعلى الرغم من انتماء لقمان إلى السياق العام للمدرسة البغدادية التي أسسها جواد سليم فإنه لم يتوقف عند حدود هذا الانتماء بل عمل على تجاوزه من خلال بناء لغة تشكيلية خاصة تستجيب لتحولات الواقع العراقي وتتماهى مع قلق الإنسان وأسئلته الوجودية”.
وأوضحت: أن البناء الفني في أعماله يعتمد على تنظيم مدروس للمساحات حيث تتجاور الكتل اللونية ضمن علاقات دقيقة توازن بين التوتر والانسجام، فالألوان الحارة والباردة لا تؤدي دورا جماليا سطحيا بل تعمل كطاقات تعبيرية تحمل دلالات نفسية ووجدانية كما أن الخط لا يؤدي وظيفة تحديد الشكل فقط بل يتحول إلى عنصر سردي يقود حركة العين ويؤسس لإيقاع بصري منسجم مع بنية العمل الكلية وهذا البناء يمنح اللوحة طابعا معماريا يكشف عن وعي عميق بالتركيب والبنية”.
وبينت “أنه على مستوى التكنيك يتنوع اشتغال ستار لقمان بين التلوين الطبقي الذي يسمح بتراكم الدلالات البصرية وبين التجريد الرمزي الذي يفتح العمل على قراءات متعددة وتبرز في هذا السياق رموز بغدادية مألوفة مثل الأقواس والنوافذ والقباب التي تتحول من عناصر معمارية إلى إشارات بصرية للهوية والذاكرة وهذه الرموز لا تحضر كماض ساكن بل يعاد توظيفها ضمن سياق معاصر يمنحها حياة جديدة داخل الفضاء التشكيلي”.
وأشارت الى أن”الأسلوب الفني الذي يتبناه لقمان يقوم على مزج واع بين التعبيرية والتجريد حيث لا يسعى إلى تمثيل الأشياء كما تبدو في الواقع المرئي بل كما تعاش في الداخل فاللون في أعماله لغة مستقلة فالأحمر يحمل صرخة الألم أو التمرد والأزرق يوحي بالهدوء والحزن والبعد التأملي بينما يستدعي الأصفر الضوء والذاكرة والحنين ويمنح هذا التوظيف اللوني اللوحة بعدا شعريا يجعلها نصا بصريا مفتوحا يتجاوز حدود المشاهدة إلى فضاء الإحساس”.
ولفتت الى أن”تجربة ستار لقمان تنتمي من حيث المرجعية إلى امتداد المدرسة البغدادية لكنها تتسم بروح أكثر تحررا وتجريبا فقد استلهم من جواد سليم فكرة المزج بين التراث والحداثة وأضاف لها بعدا وجوديا واضحا تتحول فيه اللوحة إلى مساحة للتأمل في الزمن والمكان والهوية ويظهر الارتباط بالموروث الحضاري في أعماله على مستوى الجوهر حيث تستحضر رموز الحضارات السومرية والبابلية والعباسية وتعاد صياغتها ضمن سياق يعكس قلق الإنسان العراقي المعاصر وسعيه الدائم نحو الضوء وسط العتمة”.
وأكملت “في المحصلة لا يمكن النظر إلى لوحات ستار لقمان على أنها منجزات تشكيلية معزولة بل مرايا للروح العراقية تختزن الذاكرة وتعيد صياغة الحنين وتؤسس لحوار بصري متواصل بين الماضي والحاضر، إنها أعمال تدعو المتلقي إلى التأمل في بغداد التي تسكننا لا تلك التي نسكنها وتؤكد أن الفن في جوهره فعل مقاومة للنسيان وبحث دائم عن المعنى والجمال”.



