اراء

كنت في غزة

بقلم: اسيا العتروس..

نعيش منذ السابع من اكتوبر الماضي على نبض زحمة الأحداث في غزة، تلازمنا في كل ساعة وكل حين.. نهتز لمعاناة أهلها وصرخات أطفالها واستغاثة نسائها وثكلاها وايتامها ووجع صحفييها وفنانيها ومؤرخيها ولوعة اطبائها وهم يشهدون موت المصابين البطيء في قهر وعجز… نعيش على وقع غزة وكأننا هناك نتألم نسمع نرصد نبكي أحيانا لما يحدث ونشعر بالإحباط نشعر بالإحباط واليأس ولكن لا نفقد الامل، لان هناك شعباً يكابد ينتصر كل يوم للحياة ويتفوق على رائحة الموت المنتشرة في المكان… عيوننا ترحل الى غزة كل يوم كما سبق ورحلت الى القدس.

في غزة انتهت الرحلة عبر سنة ومن غزة تبدأ الرحلة مع اولى ساعات سنة 2024 التي نستقبلها على وقع ضجيج القنابل والصواريخ وصور المقابر الجماعية والاشلاء الآدمية… لا احد يعرف حصيلة الشهداء في حرب الابادة الجماعية في غزة حتى اليوم السابع والثمانين من حرب الابادة المفتوحة اقتربت الحصيلة من الاثنين وعشرين ألف شهيد ونحو ستين ألف مصاب دون اعتبار المفقودين الذين جمعتهم المقابر الجماعية… والجثث التي تم تشويهها وسرقة اعضائها… ما تقدمه نشرات الاخبار يوميا من جرائم الحرب التي يقترفها جيش الاحتلال، ليست سوى الظاهر، أما ما خفي فقد لا يكتشف حجمه قبل وقت طويل… غزة تنزف وكل قطرة من دماء ابنائها تشهد على بؤس وانانية وانهيار القيم الانسانية التي سقطت أمام اختبار آلة القتل الاسرائيلية وخذلت غزة وأهلها وتنكرت لحقهم في الحياة والكرامة وانسانية الانسان.

كم كنا نتمنى لو أن غزة وأهلها المطاردين على أرضهم بإمكانهم استقبال العام الجديد مثل بقية شعوب الارض الذين يحتفلون بهذا الموعد ويستعدون له بكل مظاهر الفرح بلقاء الأهل والأصدقاء وتبادل الهدايا وكل ما يسعد الاطفال ويمنح الجميع فرصة التطلع للتفكير بالمستقبل وتحقيق أحلامهم في الحياة… لم يعد للحلم مكان في غزة أو في الضفة فجرائم الاحتلال التي تربط الليل بالنهار تصر على تدمير كل مظاهر الحياة والسطو على ما بقي من الهوية الفلسطينية ومن أسباب التمسك والبقاء على أرض فلسطين.. هكذا هي سياسات كيان الاحتلال منذ نشأتها قسرا من رحم عصب الأمم والأمم المتحدة لاحقا التي سيتمرد عليها ويدوس على قراراتها بمباركة لحليف الامريكي والبريطاني وتواطؤ بقية أعضاء نادي مجلس الامن الدولي.. فقد قام الاحتلال منذ بداياته على الدم بدءاً من مجزرة دير ياسين والطنطورة واللد والرملة وصفد وصولا الى القدس وصبرا وشاتيلا والخليل وغزة 1 وصولا الى خامس حرب على القطاع مع اختلاف واحد وهو ان عصابات الهاغاناه والشترن تحولت الى جيش نظامي إرهابي.

لا حديث اليوم إلا عن غزة وهذا ما يجب ان يكون حتى يتوقف العدوان لا الاعلام يجب ان يمل ولا الشعوب الحية والحقوقيين الرافضين للظلم يجب ان يطبعوا ويستسلموا لما يحدث ويقبلوا بحرب الابادة الجماعية التي تشنها اسرائيل على القطاع المدمر فيما يتواصل صمت العالم وعجزه عن ايقاف الحرب وايقاف شلال الدم المستمر.

ان ينحصر عنوان عام 2023 الذي نودع وعام 2024 الذي نستقبل حول ما يحدث في غزة، مسألة فرضتها الأحداث وان ما ستؤول اليه هذه الحرب سيكون ربما منطلقا لقراءة توجهات ومستقبل المنطقة العربية، وهل تغرق أكثر وأكثر في دماء شعوبها وتستمر في الانهيار والسقوط والتفكك أم اننا سنشهد صحوة مفاجئة تضع حداً لحالة التدمير الممنهج التي تعيش على وقعه المنطقة العربية من المحيط الى الخليج… لم تكن سنة 2023 بدون مآسٍ قبل اندلاع الحرب على غزة فقد كان لزلزال سوريا وتركيا آثاره الثقيلة المؤلمة ولكن ما شهده العالم من تضامن انساني على وقع المآسي الانسانية أوحى ببقية من قيم انسانية كونية تكابد من أجل البقاء… وكان لتزامن زلزال المغرب وطوفان درنة ما حول الانظار عن المآسي الانسانية العالقة في اليمن ومعاناته مع الصراعات والحروب والمجاعة ومع مآسي السودان الغرق في أزماته وصراعاته وحروب الاخوة الاعداء الذين اجتمعوا لإسقاط  دكتاتورية نظام البشير، فسقطوا في خلافاتهم وحروبهم التي تهدد السودان اليوم بأخطر التداعيات الامنية والاجتماعية. ولو انتقلنا في جولة افتراضية لوجدنا المنطقة العربية تنوء بأرزائها وأثقالها وأزماتها بين دكتاتورية متسترة وشعبوية متمددة وبين أزمات اقتصادية واجتماعية وفقر مادي وآخر معرفي وعلمي وأمية ضاربة وتطرف بلا حدود.

يلقي البعض بالتلميح حيناً والتصريح حيناً آخر على حماس بالمسؤولية فيما آلت اليه الأوضاع في غزة من خراب ودمار وموت في كل مكان … ولكن ينسى الكثيرون ان غزة قبل عملية طوفان الأقصى في السابع من اكتوبر لم تكن تحظى برغد العيش ولم يكن أهل غزة يعيشون في كنف الحرية والامان… كانت غزة محاصرة برا وبحرا وجوا وكان الجميع داخل سجن لا مجال لمغادرته وكان نصف شباب غزة مبتور الاطراف بفعل الاعتداءات الاسرائيلية على المتظاهرين على الحدود كل اسبوع… كان قطاع غزة تعيش معاناة مضاعفة بمعزل عن كل العالم… عملت اسرائيل بعد اوسلو على تمكين حماس في غزة على أمل تشتيت فتح واضعافها ودفع الحركات الفلسطينية الى السقوط في محاربة بعضها البعض… وهو ما يمكن القول انها نجحت فيه .

جاءت عملية طوفان الأقصى لتوجه صفعة لم يتوقعها الاحتلال وقناعتنا أن كل التقارير التي تتحدث اليوم عن معرفة مسبقة للأجهزة الامنية الاسرائيلية بالعملية والادعاء بان اسرائيل لم تمنع وقوعها حتى تعيد احتلال القطاع محاولات لإنقاذ حكومة نتنياهو وجيش الاحتلال من العار الذي سيلاحقه الى ما لا نهاية.

اليوم يدفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا من دماء أطفاله ونسائه وشبابه وموروثه وكل مكونات غزة بآثارها ومساجدها وكنائسها.. بعض المؤشرات بدأت عن مفاوضات في القاهرة ومبادرة مصرية لإنهاء الحرب وتبادل الرهائن والاسرى.. من السابق لأوانه قراءة المشهد في ظل سموم القنابل المتهاطلة على أهالي غزة والممتد الى الضفة في حرب الابادة المنسية على الفلسطينيين في جنين والخليل والقدس..

هل يعني ذلك نهاية الآمال وانعدام الافاق والمبادرات… بالتأكيد لا والأمر يبقى بيد الفلسطينيين وحدهم وسيتعين على كل الفصائل الفلسطينية المقاومة وكل السياسيين عدم التفريط في هذه المحطة التاريخية في تاريخ القضية الفلسطينية وعدم اهدار دماء الشهداء والضحايا لان الاجيال القادمة لا ولن تغفر لهم ذلك… غزة اليوم عنوان لصمود اسطوري ولكن لمعاناة غير مسبوقة في تاريخنا الحديث.. كان البلدوزر شارون يحلم أن يستيقظ ويجد أن غزة قد ابتلعها البحر… في سجل شارون مجازر وجرائم ذهب ضحيتها آلاف الفلسطينيين… رحل شارون وقُبر وبقيت غزة وهي اليوم تتحدى جلاديها وتواجه جيش الاحتلال الاسرائيلي وتواجه معه كل القوى العنصرية الداعمة لصلف وغطرسة الاحتلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى