بسابقة صادمة.. إِيران ترصد 50 مليون يورو مقابل اغتيال ترامب ونتنياهو

بقلم: د. مهدي مبارك عبد الله..
ربما لم تعد لغة الاغتيال في الشرق الأوسط تقتصر على الغرف الاستخبارية المغلقة أو العمليات السرية العابرة للحدود بل انتقلت اليوم إلى قاعات البرلمانات وخطابات النواب ومشاريع القوانين الرسمية، وفي تطور غير مسبوق وصادم كشف النائب الإيراني إبراهيم عزيزي رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني عن مشروع قانون يقضي بتخصيص مكافأة مالية ضخمة تصل إلى خمسين مليون يورو لمن يغتال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب او رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال براد كوبر وذلك تحت عنوان ما وصفه الإيرانيون بـحق الرد الشرعي بالمثل في خطوة تعكس حجم التوتر والانفجار الكامن في العلاقة بين طهران وواشنطن وتل أبيب.
هذا المشروع الثأري الذي تبناه أيضا النائب الإيراني محمود نبويان نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني لم يأتِ من فراغ بل جاء بعد سنوات طويلة من الاغتيالات الغادرة والحروب الخفية والعقوبات المتواصلة والتصعيد الأمني المتبادل حيث ترى طهران أن الولايات المتحدة وإسرائيل تجاوزتا منذ زمن طويل كل الخطوط الحُمر عبر استهداف القادة الإيرانيين والعلماء العسكريين والسياسيين وصولا إلى اغتيال الجنرال قاسم سليماني والمرشد علي خامنئي وما تبعه من ملاحقات وتهديدات متكررة ضد قيادات إيرانية بارزة.
أصحاب هذا التوجه داخل البرلمان الإيراني يبررون طلبهم وموقفهم بأن الولايات المتحدة نفسها هي التي شرعت بداية هذا النوع من الحروب عندما بدأت تقديم المنح المالية ضمن البرنامج المعروف باسم المكافآت من أجل العدالة التابع لوزارة الخارجية الأمريكية والذي خصص خلال العقود الماضية ملايين الدولارات لمن يقدم معلومات تؤدي إلى اعتقال أو تصفية شخصيات تعتبرها واشنطن معادية لها أو مصنفة ضمن ما تسميه قوائم الإرهاب وقد استخدمت الولايات المتحدة هذا البرنامج ضد شخصيات عراقية وإيرانية وقيادات من حزب الله إضافة إلى رصد مكافآت بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ومسؤولين آخرين تعتبرهم واشنطن خصوما لها.
وفق هذا التصور يحاول الإيرانيون تقديم مشروعهم بوصفه ردا معاكسا على السياسة الأمريكية نفسها وهم يقولون إن واشنطن حين حولت رؤوس القادة والخصوم إلى أهداف مرصودة بالملايين فإنها فتحت الباب أمام منطق الاغتيال السياسي العابر للحدود ولذلك فإن طهران لا تفعل اليوم سوى استخدام الأدوات ذاتها التي استخدمتها الولايات المتحدة لعقود طويلة وإن كان ذلك بصيغة أكثر صراحة ووضوحا وجرأة وقوة.
لعل طرح هذا المشروع داخل البرلمان الإيراني يكشف عن تيار يرى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تفهمان سوى لغة القوة وأن أي تراجع أو مرونة سيُفسر باعتباره ضعفا واستسلاما ولذلك فإن التصعيد الكلامي والتشريعي الحالي لا يستهدف الخارج فقط بل يحمل رسائل إلى الداخل الإيراني أيضا مُفادها أن النظام ما يزال قوي وقادرا على الرد والثأر رغم الضربات القاسية التي تعرض لها خلال الحرب الأخيرة وهذا يما فسر الحضور المكثف للخطاب الديني والعقائدي في تصريحات النواب الإيرانيين الذين حاولوا تصوير المسألة باعتبارها واجبا شرعيا وثأرا وطنيا لقياداتهم وشهدائهم يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
واشنطن وتل أبيب تدركان أمنيا وسياسيا أن مثل هذه التصريحات حتى وإن بدت دعائية أو غير قابلة للتنفيذ إلا أنها تخلق مناخا شديد الخطورة لأنها قد تدفع أفرادا أو جماعات متطرفة أو جهات غير منضبطة او خلايا نائمة تنتشر في مختلف دول العالم إلى محاولة تنفيذ عمليات اغتيال وعنف بدافع العقيدة أو الانتقام أو الطمع المالي وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة واسعة من الفوضى الأمنية العابرة للحدود يصعب التحكم بها لاحقا خاصة أن التأريخ يؤكد أن كثيرا من عمليات الاغتيال الكبرى لم تنفذها دول بشكل مباشر بل نفذتها شبكات صغيرة أو أفراد متأثرون بخطابات التحريض والكراهية ولهذا فإن مجرد تحويل الاغتيال إلى مادة سياسية يجعل العنف أداة مقبولة في الصراع الدولي المفتوح وعلى أمريكا وإسرائيل أن تفهم ذلك جيدا.
خلاصة القول: إن مشروع الخمسين مليون يورو ليس مجرد خاطرة برلمانية وحادثة سياسية عابرة بل مؤشر خطير على طبيعة المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط تختلط فيها السياسة بالثأر والدبلوماسية بالتهديد والقانون بمنطق الانتقام المفتوح وحين تصل الصراعات بين الدول إلى مرحلة رصد الأموال مقابل رؤوس القادة فإن ذلك يعني أن المنطقة لم تعد تقف فقط على حافة التوتر بل على حافة انفجار كبير قد لا ينجو أحد من تداعياته مادام منطق نتنياهو وترامب يقوم على الاستهداف والقتل ستبقى نزعة الانتقام والثأر مشتعلة والدم يستسقي الدم.



