اخر الأخباراوراق المراقب

مناسك الحج.. إصرار إيماني تحت لهيب الحر

بدأ مئات الآلاف من الحجاج، أداء أولى مناسكهم في مكة المكرمة، حيث طافوا حول الكعبة المشرفة في أجواء روحانية مكثفة وطقس شديد الحرارة، عشية الانطلاق الرسمي لموسم الحج. ويأتي هذا الموسم في ظرف استثنائي، تتداخل فيه حرارة الصيف القاسية مع توترات إقليمية متصاعدة ومخاوف من تجدد الحرب  التي قامت بها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وهي حرب ألقت بظلالها على حركة السفر وأجواء المنطقة عموماً.

ورغم هذه الظروف، شهدت مكة المكرمة توافد أعداد كبيرة من المسلمين من مختلف أنحاء العالم، إذ أعلنت السلطات السعودية أن أكثر من 1.52 مليون حاج وصلوا من خارج المملكة، في رقم يتجاوز أعداد الحجاج القادمين من الخارج في العام الماضي، على الرغم من الاضطرابات الإقليمية وتعقيدات السفر المرتبطة بالحرب.

وتحولت ساحات المسجد الحرام ومحيطه إلى مشهد إيماني واسع، حيث أدى الحجاج طواف القدوم بملابس الإحرام البيضاء، بينما حمل كثيرون مظلات تقيهم أشعة الشمس الحارقة. وفي الشوارع المحيطة بالحرم، افترش آلاف الحجاج الأرض على سجاجيد ملونة أمام الفنادق والمتاجر لأداء الصلاة، في مشهد يعكس الكثافة البشرية الكبيرة التي تشهدها مكة خلال هذه الأيام.

طواف القدوم وسط أجواء روحانية وحرارة مرتفعة

مع بدء توافد الحجاج إلى المسجد الحرام، غلبت على المشهد مشاعر الخشوع والفرح، إذ بدأ كثير منهم مناسكهم بأداء طواف القدوم حول الكعبة. وكانت حرارة الطقس حاضرة بقوة، بعدما تجاوزت درجات الحرارة الأحد 40 درجة مئوية، فيما توقع المركز الوطني للأرصاد أن تتراوح درجات الحرارة في مكة خلال موسم الحج بين 42 و47 درجة مئوية نهاراً.

ورغم ذلك، بدا الحجاج منشغلين بروحانية المكان أكثر من انشغالهم بصعوبة المناخ. فقد قال الحاج المغربي جريش محمد، البالغ من العمر 68 عاماً، لوكالة فرانس برس، إن شعوره «لا يوصف»، مضيفاً أنه كان يتمنى أداء الحج منذ أربعين أو خمسين عاماً، وأن حلمه تحقق هذا العام.

وتعكس شهادة الحاج المغربي حالة عامة بين آلاف الحجاج الذين يرون في الوصول إلى مكة وأداء المناسك ذروة تجربة روحية طال انتظارها. فبالنسبة إلى كثيرين، لا تمثل الرحلة مجرد انتقال جغرافي إلى مكان مقدس، بل تحقيقاً لحلم ديني وشخصي ظل حاضراً في الوجدان لسنوات طويلة.

مكة تغص بالحجاج والأسواق تمتلئ

مع وصول أكثر من مليون ونصف المليون حاج، غصّت مكة المكرمة بالحشود. وامتلأت الأسواق السعودية والمواقع الدينية بالحجاج، كما ازدحمت المطاعم إلى حد يصعب معه العثور على موضع قدم.

وتكشف هذه الكثافة البشرية حجم التحدي التنظيمي الذي تواجهه السلطات السعودية سنوياً في إدارة موسم الحج، وهو أحد أكبر التجمعات الدينية في العالم. فالحج لا يقتصر على تنظيم حركة المصلين داخل المسجد الحرام، بل يشمل أيضاً إدارة النقل، والإقامة، والرعاية الصحية، والإرشاد، وتنظيم التفويج بين المشاعر المقدسة.

استعدادات صحية واسعة لمواجهة الحر والإجهاد

يشكل ارتفاع درجات الحرارة أحد أبرز التحديات التي تواجه موسم الحج هذا العام. فمع توقع وصول الحرارة إلى مستويات تتراوح بين 42 و47 درجة مئوية نهاراً، أعلنت وزارة الصحة السعودية نشر أكثر من 50 ألفاً من الكوادر الطبية و3 آلاف سيارة إسعاف لتقديم الرعاية للحجاج.

كما أقامت السلطات مرافق صحية وعيادات متنقلة في مواقع متعددة، استعداداً للتعامل مع حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس والأمراض المرتبطة بالازدحام والتعب الجسدي. وتأتي هذه الإجراءات بعد مواسم سابقة شهدت وفيات بأعداد كبيرة، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتوافد حجاج غير مصرح لهم، ما زاد من الضغط على الخدمات الرسمية.

وتسعى السعودية إلى تقليل آثار الحر من خلال توفير مناطق مظللة، وأجهزة لرش رذاذ المياه، وزيادة عدد الكوادر الطبية الميدانية، إلى جانب تنظيم حركة الحشود لتخفيف الازدحام في المواقع الأكثر حساسية.

إجراءات أمنية لمنع الحج غير النظامي

إلى جانب الجهد الصحي، شددت السلطات السعودية الإجراءات الأمنية في محيط مكة، حيث أقام رجال الشرطة نقاط تفتيش لمنع دخول الحجاج غير الحاصلين على تصاريح. وتندرج هذه الخطوة في إطار مساعٍ للحد من ظاهرة الحج غير النظامي، التي ساهمت في مواسم سابقة بزيادة أعداد الوَفَيات، بسبب صعوبة تقديم الخدمات لمن لا يدخلون ضمن الخطط الرسمية للسكن والنقل والرعاية الصحية.

وتعد إدارة التصاريح جزءاً أساسياً من منظومة تنظيم الحج، إذ ترتبط القدرة على تقديم الخدمات بدقة معرفة أعداد الحجاج وتوزيعهم ومواقع إقامتهم ومسارات تنقلهم. ومن دون ذلك، تصبح إدارة الحشود أكثر تعقيداً، خصوصاً مع الحرارة الشديدة وكثافة الحركة بين مكة ومنى وعرفات ومزدلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى