اراء

الحرب على إيران.. ورطة وصدمة

منهل عبد الأمير المرشدي..
ممّا لا شك​ فيه أننا نعيش واحدة من أعقد اللحظات التأريخية وأكثرها تحولاً، المشهد الذي بدأ بقرع طبول الحرب والتصعيد العسكري الشامل ضد الجمهورية الإسلامية يوشك أن ينتهي عند طاولة مفاوضات يبحث فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مخرج ينقذ ماء وجهه. هذه التحولات المتسارعة وضعت حلفاء واشنطن التقليديين وتحديداً دول الخليج العربي أمام حقيقة مُرّة يتجرعها الجميع على مضض حيث تبين لهم، أن الرهان المطلق على المظلة الأمريكية ما هو إلا وهم مكلف، لقد عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بشعار أمريكا أولا، لكن جبهات القتال بدءاً من البحر الأحمر وإغلاق مضيق هرمز وصولاً إلى الضربات المتبادلة مع ايران أثبتت لترامب أن الحرب المفتوحة مع إيران ليست نزهة قصيرة يمكن حسمها عبر القوة الجوية أو العقوبات الاقتصادية المشددة. واجه ​ترامب حقيقة أنه في ورطة إذ لم يعد يرى نفسه في المقام الأول رجل صفقات ويكره الحروب الاستنزافية الطويلة التي تستنزف الخزينة الأمريكية، وجد نفسه في ورطة حقيقية بما تحملته أمريكا حتى الآن من ​كلفة اقتصادية باهظة إضافة إلى تهديد خطوط الملاحة وارتفاع أسعار النفط يضربان الوعود الانتخابية له.
​لقد أظهرت طهران مرونة عسكرية وقدرة على الصمود والمناورة مستندة إلى شبكة نفوذ إقليمي، إذ لم تنجح الضربات الصهيوأمريكية في تفكيكها. حقائق بمثابة الصدمة لترامب الذي اضطر إلى تفعيل القنوات الخلفية عبر الوساطة الباكستانية والعمانية وصولا إلى إعلان التهدئة والحديث المباشر عن اتفاق سلام وثيق ينهي الحرب الجارية ويضمن إعادة فتح مضيق هرمز.
​لم تكن خطوة ترامب نحو التهدئة وتوقيع تفاهمات مع طهران لتمر بسلام داخل أروقة واشنطن وتل أبيب، فكيان (إسرائيل) بقيادة نتنياهو ومجموعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة (مثل منظمة إيباك)، كانت ترى في هذه الحرب فرصة العمر في تحقيق الحلم التلمودي بإنشاء دولة إسرائيل الكبرى إذا ما استطاعوا القضاء على النظام الإسلامي في إيران، انهم يعيشون مضطرين بين حافة الهاوية وبدائل الهروب، إذ يجد دونالد ترامب نفسه اليوم أمام اختبار وجودي لحضوره السياسي، حيث يقف على حافة فخ إسرائيلي نصب له لجره إلى حرب شاملة ومباشرة ضد إيران، مستغلا رغبة الرئيس الأمريكي في إظهار القوة المطلقة، إلا أن الحسابات على أرض الواقع تبدو شديدة التعقيد، فالصبر الاستراتيجي الإيراني ليس مجرد تكتيك لامتصاص الضربات بل هو حرب استنزاف هادئة فككت الاندفاع الأمريكي خطوة بخطوة مسنودة بجبهة داخلية وتماسك شعبي يزداد قوة كلما شعرت إيران بالتهديد الخارجي.

أن ترامب بعقليته القائمة على مبدأ الصفقة لن يقبل بأن يكون مجرد أداة لتنفيذ طموحات نتنياهو الإقليمية على حساب الاقتصاد والجنود الأمريكيين. المخرج الوحيد له سيتلخص في فرض عقوبات خانقة غير مسبوقة على إيران وبالموازاة مع ذلك سيبحث عبر قنوات خلفية وسيطة عن صفقة كبرى مباشرة مع طهران تضمن له خروجاً هوليوودياً يحفظ هيبته كـ(رجل سلام) متجنباً في الوقت نفسه الغرق في مستنقع حرب لا أول لها ولا آخر.
الحقيقة التي تفاجأ بها العالم قبل أمريكا والكيان بما أفرزته التعبئة الوطنية في إيران من تماسك شعبي مستفيدة من الإرث التأريخي في مواجهة الحصار مما يجعل الرهان على انهيار الجبهة الإيرانية الداخلية رهاناً خاسراً ويضع سعي نتنياهو الى تصوير المواجهة مع إيران كمعركة وجودية للمنظومة الغربية ككل في خبر كان، لم يعد أمام ترامب سوى لغة التهديد العالي كورقة مساومة لإقناع طهران بالجلوس على طاولة المفاوضات وفق تصوره، مغلقاً بذلك الباب أمام سيناريو الحرب الشاملة التي يرغب بها اليمين الإسرائيلي .
​أخيرا وليس آخرا نلخص صدمة نتنياهو الذي يريدها حرباً تدميرية مفتوحة ولم يفلح فيما يراها ترامب مقدمة لصفقة تأريخية يخرج منها (منتصراً) حتى أن كان مهزوماً حد النخاع.. وسلام قولاً من رب رحيم على إيران دولة وشعباً وقيادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى