بين الاحتلال ونزع السلاح.. شبح الثمانينيات يعود

بقلم: كريستينا شطح..
تتسارع التطورات الميدانية والسياسية في لبنان لتضع الجنوب أمام منعطف هو الأخطر منذ عقود، حيث تتقاطع في كواليس القرار الإقليمي والدولي مؤشرات حول مرحلة “ما بعد وقف إطلاق النار”. هذه المرحلة، التي تبدأ بترتيبات عسكرية ميدانية، قد تنتهي بضغوط سياسية غير مسبوقة تهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية والأمنية للبنان ككل، وسط مخاوف متزايدة من إيقاظ شياطين الماضي والعودة إلى مربعات الصراع الداخلي.
تبدأ الترتيبات المفترضة بوقف لإطلاق النار، يليه مباشرة تقدم للجيش اللبناني باتجاه مناطق شمال الليطاني والبقاع الغربي. لكن المهمة هذه المرة لا تقتصر على الانتشار التقليدي، بل تمتد إلى ملف سلاح حزب الله؛ وهي عملية يُراد لها، وفق تقديرات سياسية، أن تتم “بالتوافق والتنسيق” مع حركة أمل. وتشير بعض المؤشرات الميدانية إلى ترجمة هذا التنسيق في بعض قرى المواجهة، حيث طلبت أوساط الحركة من عناصر الحزب عدم الاقتراب من المراكز السكنية المأهولة، في محاولة براغماتية لتجنيب القرى والبلدات ضربات إسرائيلية مدمرة.
إلا أن هذا المشهد الميداني يعيد إلى الأذهان فوراً حقبة أواخر الثمانينيات، وتحديداً عشية “حرب الأخوة” المريرة التي اندلعت بين الحركة والحزب حول قرار ضبط المقاومة وإدارتها في الجنوب. هذا التشابه التأريخي يفرض اليوم أعلى درجات اليقظة والحذر؛ فأي خطأ في الحسابات الميدانية، أو أي شعور بالتضييق يمس البيئة الاستراتيجية للحزب، قد يفتح الباب أمام توترات داخلية يصعب السيطرة عليها، على الرغم من إدراك القيادتين الشيعيتين أن أي صِدام داخلي جديد سيكون بمثابة “انتحار جماعي” لن يحتمله الواقع الراهن.
لكنَّ التحدي الأكبر لا يتوقف عند حدود الجغرافيا الجنوبية؛ إذ ترى تقديرات سياسية أن المقاربة الأمريكية قد تتجاوز مجرد تطبيق القرار 1701، نحو الضغط على الحكومة اللبنانية لإعادة صياغة دور حزب الله السياسي والعسكري، وتقليص منظومته الأمنية والتنظيمية بصورة تدريجية.
وهنا تكمُنُ المعضلة الكبرى؛ فحزب الله، على مدى عقود، لم يعد مجرد فصيل مسلح يمكن التعامل معه بقرار حكومي أو تسوية سريعة، بل تحول إلى شبكة مؤسساتية وثقافية واقتصادية متجذرة في بنية المجتمع، فضلاً عن تمثيله البرلماني والوزاري الشرعي. وبناءً على ذلك، فإن أي محاولة لمعالجة هذا الملف بصورة جذرية وسريعة تضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ بالغ التعقيد، خصوصاً في ظل غياب التوافق الداخلي وضعف الأدوات التنفيذية القادرة على فرض معادلات جديدة من دون مخاطر أمنية وسياسية كبيرة.
بين الضغوط الدولية الساعية إلى تغيير قواعد القوة في لبنان، وبين التوازنات الطائفية والسياسية الهشة في الداخل، يبدو الجنوب اللبناني واقفاً أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم شكل الدولة وموازينها لسنوات طويلة. فالمعركة المقبلة، إذا وقعت، قد لا تكون عسكرية بالمعنى التقليدي، بل صراعاً على طبيعة النظام وتوازن القوة داخله: من يملك القرار الأمني، وكيف تُدار معادلة القوة، وأين تنتهي حدود التسويات الممكنة. وفي بلد مثقل بتأريخ الانقسامات والحروب، يبقى الخطر الأكبر أن تنزلق أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد بالقوة أو تحت الضغط الخارجي إلى نقطة تفجير تعيد فتح جراح لم تُغلق بعد.



