“قتل غزّة”.. وجود رفعت العرعير بعد إستشهاده

محمد هديب..
كان قبيل الفجر، وكان سحور رمضان. أخبرتنا السيِّدة العجوز، صبحة شمالي، عن شبح الموت الذي قد يسقط عشوائياً في العتمة وفي أيّ لحظة، ووقعت الضربة الصاعقة، لكنّها مصادفةً نجت، ونجت معها غلّاية القهوة.
إنها التدابير وانتباهات الغريزة والحظّ، تختلف بين نهار وليل. قد يقع شكلُ الموت ذاته، لكنه لعبة إحداثيات قد تصيب في النهار ذاك الذي يحمل غالوناً فارغاً، سعياً وراء ماء صالح للشُّرب، وفوق الليل تلعب القُرعة على مربّعات ومستطيلات بلا معنىً، وتحته البيوت، يسمّونها كذلك لأن الناس تبيت فيها.
والمعنى تحت أعزل، ويُمكن بقليل من الحظّ أن يخرج النص إلى الحياة بعد أن تنهار الأجساد في أيّ لحظة من التعب، وبقدر ما يسمح به التدبير والانتباه الغريزي في تحاشي الموت بالأيدي العارية، كأن يكون الواحد في طابق سُفلي، أو بِلَصْق عمود خرساني، أو مناوباً بلا حول ولا قوّة، سوى أن يكون قرب النائمين شاهدا وحيدا نجا بعينين محدّقتين في القيامة، وتقاسَم السرد مع نائمين لا يتذكّرون الآن أيّ منام.
قبل أن يُعلن المؤذّن بأذانه بدء الصيام، اشتهى ابن صبحة “كاسة” قهوة. أعرب عرَضاً عن ذلك، فما كان منها إلّا أن همّت بالذهاب إلى المطبخ البعيد، فأمسك الابن بها قائلاً إنه رغِب فقط، ولا يُريدها أن تُغامر بالذهاب إلى المطبخ.
أصرّت الأمّ على تحضير القهوة، وأعدّت غلّايتها، وجاءت بها إلى الغرفة، وما إن سكبتها في “الكاسة” حتى ضربت القذيفة المطبخ. في هذه اللحظة الذاهلة تفقّدوا بعضهم. الضربة أطاحت بالمطبخ وسلمت الغرفة التي يحتشد فيها خمسون إنساناً.
تذكّرت الأم أنها في فسحة الحياة التي توافرت الآن لا بد أن تسقي ابنها قهوته، وقالت “لا أريد أن يخطفه موتٌ من دون أن يشربها، فتبقى الحسرةُ في قلبي”.
هذا كلّه وقع في حرب الهمَج على غزة 2014، وكانت صبحة من حيّ الشجاعية تروي شهادتها للصحافيّيَن المستقلّيَن: ماكس بلومنثال ودان كوهي اللذين سيُواصلان عملهما على توثيق الحياة الغزّية حتى سنوات لاحقة من آثار الإبادة التي تُطيح بكلّ شيء بسرعة البرق، ثم يعود الناجون ببطء تحت الحصار الإسرائيلي – العربي يتلمّسون سبلاً للبناء.
أصبح ذلك مؤطّراً في فيلم سيظهر في عام 2018 بعنوان “قتل غزّة”، تقاسم العمل فيه ماكس بلومنثال كتابة وإخراجاً، ودان كوهي تصويراً وتحريراً.
ولو أزحنا العناوين الأرشيفية التي تسيل فيها الدماء الفلسطينية تحت “الجرف الصامد” 2014، فمن الذي سيرى فارقاً بينها وبين دماء “السيوف الحديدية” التي يسفكها العدوّ اليوم، سوى الفارق الكمّي والمكشوف على طريقة إجرام جديدة تقول للعالم إن موضة إخفاء أدلّة الإبادة صارت قديمة.
المرأة الأمّ والجدّة نجحت في مَنْح ولدها “كاسة” قهوة، حتى لا تتجرّع الحسرة إن جاء الموت له وتحاشاها مُصادفةً. هذه الحسرة لم نرها مرسومة بالدموع على وجه امرأة رأيناها في حال هستيرية، بساحة تجمهر حولها الناس، وهي تصرخ في السماء “الأولاد ماتوا بدون ما ياكلوا”.
امرأتان في رمضان 2014، وفي يوم العاشر من تشرين الأول 2023، وتسع سنوات بين حربَين، واصلتا الأمومة المقدّسة، الأولى لأنها لا تريد حمل عقدة ذنب، والثانية فقَدت صوابَها، لأنّ الموت خطف أولادها دون أن تطمئنّ عليهم وهُم يعبرون إلى الأبدية شبعانين.
تُظهر كثير من المشاهد عبر الهواتف المحمولة أُمّهاتٍ وآباءً أمام جثامين صغارهم مُسجّاة، وهم يُخاطبونهم معتذرين عن أي تقصير أو سهو أو وعد لم يوفَ. هؤلاء هم الضحايا عكس خط الزمان الأفقي، يشكرون ماكس بلومنثال ودان كوهين، وقد أهديا فيلمهما “لضحايا حرب إسرائيل القادمة”، لكنهم منذ النكبة الأولى يرفضون أن يكونوا مرصودين لحرب قادمة إلى الأبد.
وهُم ليسوا أرقاماً. وكونهم ليسوا كذلك، هو ما يصرخ به الفلسطيني في فيلم وثائقي طويل منذ النكبة. هناك حرب إسرائيلية قادمة دائماً على فلسطين، وعلى غزّة أشدّ عدائية. إنهم يكرهونها أكثر من أيّ مكان فلسطيني آخر.
لا نرى رفعت العرعير في فيلم “قتل غزة”، إلّا أننا سنعرف وجوده الفاعل والأساسي بعد استشهاده يوم السابع من الشهر الجاري.



