أيام العرب في الجاهلية

د. راغب السرجاني
كانت الأواصر بين العرب في الجاهلية قبل الإسلام مُقطَّعة بشكل كبير؛ وذلك لأن العصبية كانت من صفاتهم المذمومة، وكانت تقود إلى الحروب المستمرَّة بين القبائل؛ وهكذا كانت الإغارة على الآخرين عادة عند معظم القبائل، وكانت الحروب تشتعل لأتفه الأسباب، ويتساقط الضحايا بالمئات والآلاف.
ومما يدلُّ على كثرة الحروب بين العرب أن ابن الأثير بدأ باب ذكر أيام (حروب) العرب في الجاهلية بقوله: “نحن نذكر الأيام المشهورة والوقائع المذكورة التي اشتملت على جمع كثير وقتال شديد، ولم أُعَرِّج على ذكر غارات تشتمل على النفر اليسير؛ لأنه يكثر ويخرج عن الحصر”. ومع هذا فقد أتى بما يربو على خمسين يومًا (معركة)، كلها من الوقائع الكبيرة المشهورة!
بل بلغ من تعلُّق العرب الشديد بالحرب والقتال وتأصلها في نفوسهم؛ أن قال شاعرهم عمرو بن كلثوم بيتًا من الشعر يُعبِّر عن هذه النفسيات المعقَّدة، والعقول المضطربة:
أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا
فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا
حتى وصل الأمر إلى أن قال القطامي:
وَأَحْيَانًا عَلَى بَكْرٍ أَخِينَا
إِذَا مَا لَمْ نَجِدْ إِلاَّ أَخَانَا
إنه لم يكن هناك مانع إذن أن يُحارب الأخ أخاه، فقط لأن زمانه خلا من حرب أخرى!
وقد لَخَّص جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) أمر العرب قبل الإسلام في كلامه مع النجاشي ملك الحبشة، فقال له: “أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ”.
ومن اهم هذه الحروب:
ـ حرب البسوس، وهي التي نشبت بين بكر وتغلب؛ بسبب ناقة جرحت، وواستمرَّت أربعين سنة.
ـ حرب داحس والغبراء، وهي بين بين عبس وذبيان، بسبب سباق فرسين واستمرَّت أربعين سنة.
ـ يوم بعاث، بين الأوس والخزرج ـ أبناء عمومة ـ حروب استمرَّت طويلاً كان أشهرها يوم بعاث، الذي انتهى لصالح الأوس.
ـ حرب الفجار، من أشهر أيام العرب، وكانت بين قريش وكنانة من جهة، وقيس عيلان من جهة أخرى، وسُمِّيَت الفجار لما استحلَّ الحيَّان كنانة وقيس فيه من المحارم.
ـ يوم عين أباغ، وكان بين غسان ولخم، وكان قائد غسان الحارث، وكان قائد لخم المنذر بن ماء السماء، وقُتل المنذر في هذا اليوم، وانهزمت لخم، وتبعتهم غسان إِلى الحيرة، وأكثروا فيهم القتل.
ـ يوم أوارة، وهو جبل، وكان بين المنذر بن امرئ القيس ملك الحيرة وبين بكر بن وائل بسبب اجتماع بكر على سلمة بن الحارث، فظفر المنذر ببكر، وأقسم أنه ما يزال يذبحهم حتى يسيل دمهم من رأس أوارة إلى حضيضه، فبقي يذبحهم والدم يجمد، فسكب عليه ماء حتى سال الدم من رأس الجبل إلى حضيضه، وبرَّت يمينه.
ـ يوم الكُلاب الأول، وهو من أبلغ الدلائل على ما وصلوا إليه من شهوة الدم ما رُوي عن يوم الكُلاب الأول، وكان بين الأخوين شراحيل وسلمة ابني الحارث بن عمرو الكندي، وكان مع شراحيل وهو الأكبر بكر بن وائل وغيرهم، وكان مع سلمة أخيه تغلب وائل وغيرهم، ووقعت الحرب بينهما في الكُلاب، وهو بين البصرة والكوفة، واشتدَّ القتال بينهم.
ونادى منادي شراحيل: من أتاه برأس أخيه سلمة فله مئة من الإبل. ونادى منادي سلمة: من أتاه برأس أخيه شراحيل فله مائة من الإبل. فانتصر سلمة وتغلب على شراحيل وبكر، وفرَّ شراحيل، وتبعته خيل أخيه ولحقوه وقتلوه، وحملوا رأسه إلى سلمة.




