ثقافية

صلات العراق القديم التجارية مع الخليج العربي حتى ظهور الإسلام

قيس حاتم هاني الجنابي

تمتعت بلاد النهرين (العراق) بموقع مهم على رأس الخليج العربي، وارتبطت بروابط وثيقة اشتملت على الجوانب السياسية والإدارية والاقتصادية، وهيمن الرافدينيون على أقاليم الخليج العربي، وكان لهم أثر مهم في تجارة الخليج من خلال الموانئ التي أقاموها على الخليج العربي أو من خلال إبحارهم عبر الخليج إلى موانئ جنوب آسيا، ولاسيما وأن العراق له تأريخ هو الأعرق في الشرق الأدنى القديم، وهو الأكثر إنجازاً حضارياً في تأريخ البشرية، وامتد بنفوذه على الخليج العربي ردحاً طويلاً من الزمن، لذا كان من المنطقي أن يستغل الإمكانات الاقتصادية التي يوفرها الخليج ولاسيما التجارة. وكان لهذه البلاد موانئ مهمة على الخليج العربي والتي تمتد على ضفاف شط العرب الذي يصب في الخليج ويعد منتهى ومبتدأ الرحلات التجارية القادمة أو المغادرة عبر الخليج العربي، ومن أهم هذه الموانئ والتي كان لها أثر في اقتصاد بلاد النهرين وذكرت في المصادر التاريخية: ميناء مدينة (خاراكس)، وميناء مدينة (فورات)، وميناء مدينة (الأبلة)، وعلى الرغم من كون ميناء (جرها) يقع في البحرين إلا انه يمثل امتداداً طبيعياً لتجارة بلاد النهرين، ولاسيما وأن البحرين (دلمون قديماً) كانت تخضع لسيادة بلاد النهرين.وأطلق على الخليج في النصوص المسمارية لبلاد النهرين تسمية (البحر الأدنى) في مقابل تسمية (البحر الأعلى) التي أطلقت على البحر المتوسط، إذ أطلقت عليه تسميات مختلفة عبر الحقب التأريخية من الشعوب المطلة على سواحله، الأمر الذي يشير إلى أهميته في حياة هذه الشعوب التي تنافست من أجل السيطرة عليه، والاستفادة من موقعه الجغرافي الذي يعد واحداً من اكبر الطرق التجارية في العالم القديم والحديث. وعرف الخليج العربي في نصوص بلاد النهرين ولاسيما الأكديون والبابليون والآشوريون بأسماء مختلفة كالبحر الجنوبي والبحر الأسفل والبحر التحتاني والبحر الأدنى وكان يقابله عندهم من الناحية الأخرى البحر الأعلى وهو البحر المتوسط، إذ كان الرافدينيون يهيمنون ولقرون عديدة سبقت الميلاد على المناطق الممتدة من حافات الخليج العربي جنوباً وحتى سواحل البحر المتوسط شمالاً، وكانوا يعدونه امتداداً طبيعياً لأرض بلاد ما بين النهرين، ولهذا نجد أن الملوك الأقوياء الذين ظهروا في بلاد النهرين يحرصون على إبقاء منطقة الخليج العربي تحت سلطتهم المركزية، كما أطلقوا عليه اسم البحر المر أو البحر المالح (نارموت) بالآشورية نسبة إلى ما عرف عنه من ملوحة مياهه، ومن التسميات الأخرى التي أطلقها عليه سكان بلاد النهرين تسمية بحر الشروق، وسماه الكلدانيون باسم البحر الكلدي.
ويحتل الخليج العربي ومراكزه التجارية مكان الصدارة والقدم في التعاملات والاتصالات التجارية لبلاد النهرين، إذ ساعدت سواحله الغربية وجزره على إبحار وسائل النقل الرافدينية القديمة في مياه الخليج العربي صوب المراكز التجارية المختلفة. وتشير المصادر التأريخية إلى أن نهري دجلة والفرات كانا يصبان بشكل منفصل في الخليج العربي، ولا يعرف متى كان التقاء هذين النهرين وتكوينهما لشط العرب، ولما كان الخليج العربي يمثل الحدود الجنوبية لبلاد النهرين لذا كان من الطبيعي أن تكون الصلات ما بين بلاد النهرين والخليج قديمة قدم استيطان الإنسان لجنوب بلاد النهرين، وهذا ما تشير إليه المكتشفات الأثرية في مراكز الخليج العربي القديمة وفي مدن جنوب بلاد النهرين التي تؤكد أن الصلات الوثيقة بين العراق والخليج العربي تعود إلى أوائل الألف الرابع قبل الميلاد.وتشير النصوص المسمارية السومرية والأكدية إلى قيام علاقات تجارية بين سكان بلاد النهرين وبين سكان الخليج العربي لاسيّما أهل دلمون (البحرين) وعمان، ويبدو أن افتقار الخليج العربي للمنتجات الزراعية كان أحد أهم الأسباب التي دفعت التعاون التجاري بين العراق القديم والخليج العربي.ويبدو أن أغلب العلاقات التي ربطت بلاد النهرين بأقاليم الخليج العربي أو عبره كانت علاقات تجارية، وتحولت بعض مدن بلاد النهرين الجنوبية الواقعة على الطريق التجاري الذي يتصل بالخليج العربي إلى موانئ، إذ تحولت مدينة أور إلى ميناء رئيس للبلاد لاستقبال السلع التجارية القادمة من دلمون (البحرين) عبر الخليج العربي، وصدر من هذا الميناء مختلف السلع التي تنتجها بلاد النهرين إلى الخليج العربي وما وراءه عن طريق البحر وبوساطة السفن، لذا احتلت مدينة أور مكانة اقتصادية مهمة، وأصبحت السيطرة على طرق ومسالك مدينة أور تدخل في ضمن حسابات ملوك بلاد النهرين.وفي نصوص تعود إلى القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد وردت من مدينة لكش السومرية في جنوب بلاد النهرين وردت إشارات إلى مراكز نشطة على الخليج العربي كدلمون (البحرين) ومكان (عمان).
وفي نص مسماري آخر يعود لمملكة (لكش الثانية) من مدة حكم كوديا دون على احد تماثيله كتابة تشير إلى حجم السفن المبنية من خشب الأرز الذي كان يجلب من جبال لبنان لاستخدامه في صناعة السفن والقوارب، وجاء في هذه الكتابة: (لقد جلب (الأمير كوديا) من جبال امنانوم شجر الأرز أخشاب الأرز طول (الجذع) الواحد 50 ذراعاً، كما جلب أخشاب السرو طول الواحدة 25 ذراعاً وعملها أولاً أعمدة جلبها من جبالها). وساهم سكان الخليج العربي في إدامة الترابط التجاري وتوسيعه وازدهاره بينهم وبين بلاد النهرين، لاسيما خلال مدة العهد البابلي القديم (2006 ـ 1595 ق. م.)، ومن مظاهر الارتباط التجاري بين بلاد النهرين والخليج العربي هو شيوع مصطلح (أليك تلمون كي) أي (المسافر إلى دلمون) وأصبح هذا المصطلح مرادفاً للفظة (تجارة) في بلاد النهرين، ويلاحظ أن التجارة بين بلاد النهرين والخليج العربي تعرضت إلى انتكاسة أو ضعف بعد سقوط سلالة بابل الأولى في عام 1595ق. م. بسبب تعرض البلاد لغزو الحثيين والعيلاميين والكشيين على التوالي، وعلى الرغم من اهتمام الآشوريين بحماية الطرق البرية المرتبطة بالخليج العربي إلا أن اهتمامهم الأكبر انصب نحو الطرق التجارية البرية شمال البلاد التي تربطهم بالأناضول وسوريا ومصر، ثم تلت ذلك ظهور الفرس الأخمينيين الذين سعوا إلى تنشيط الطرق التجارية البرية بين الشرق والغرب، فضلاً عن ازدهار تجارة القوافل العربية التي ساهمت هي الأخرى في ضعف التجارة بين بلاد النهرين والخليج العربي في أواسط الألف الأول قبل الميلاد، ومع ذلك بقيت بعض الموانئ الرافدينية تمارس النشاط التجاري مع الخليج العربي، ولتنشط موانئ رافدينية أخرى على الخليج العربي فيما بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى