كيف حولته المقاومة الفلسطينية إلى نقطة انتصار على الكيان الصهيوني؟

مرج الزهور قبلة لوسائل الإعلام العالمية
المراقب العراقي/ متابعة..
على الرغم من مرور 31 عاما على ما يسمى بـ”مبعدي مرج الزهور” في إشارة إلى منطقة تحمل ذات الاسم جنوبي لبنان، الا أن المقاومة الفلسطينية ما تزال تتصدى للعدوان الصهيوني، في قطاع غزة، رغم شراسة الهجوم المدعوم من المجتمع الدولي، وفي 17 ديسمبر 1992، أبعدت سلطات الاحتلال بعض قيادات المقاومة الفلسطينية، ردا على اختطاف المقاومة الجندي نسيم توليدانو، حينها رفض رئيس الوزراء إسحاق رابين الإفراجَ عن الشيخ أحمد ياسين، مقابل إطلاق سراح الجندي الأسير، وبعد انتهاء مهلة المقاومة، التي حُدّدت بعشرة أيام، تم قتل الجندي.
وظنت “إسرائيل” يومها أنها تريد القضاء على الفصائل الفلسطينية، واجتثاث جذورها، كما أعلنت، لكنها وجدت نفسها أمام انبعاث جديد للمقاومة، وأن جذورها اشتدت أكثر في أرضها وبين أبناء شعبها، هناك اجتمع رأي المبعدين على رفض القرار وأصروا على العودة إلى ديارهم، ولما كان جيش الاحتلال يواجههم بالرصاص كلما حزموا حقائبهم واقتربوا عائدين إلى الحدود، قرروا البقاء في العراء في ظروف جوية قاسية قبل أن يأتيهم المدد من خيام وطعام وشراب.
وشكلت تجربة مرج الزهور محطة مهمة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، إذ تحول مخيمهم جنوبي لبنان إلى نقطة اهتمام للإعلام العالمي، فضلا عن تحوله إلى فرصة لتوسيع العلاقات وحشد الطاقات ضد الاحتلال خلال وجودهم في جنوبي لبنان نظم المبعدون أمورهم في لجان تنوعت بين السياسة والفكر والتعليم، وفوضوا الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ناطقا رسميا باسمهم.
ونتيجة الضغط الدولي، صدر قرار مجلس الأمن رقم 977 بتاريخ 19 شباط 1993 ونص على عودتهم الفورية إلى ديارهم، فعاد أغلبهم خلال عام، وقليل منهم فضل البقاء خارج البلاد، قام المبعدون بتشكيل لجنة من 23 شخصًا من المناطق الفلسطينية، إضافة إلى لجنة إعلامية ولجنة إطعام ومتابعة الاحتياجات.
وكان من بين المبعدين أطباء ومديرون وآخرون من مختلف المهن، وللمرة الأولى يجتمع أبناء الضفة وأبناء غزة في مخيم واحد، وتمكنوا من التواصل مع عائلاتهم في الأراضي المحتلة بعد إبعادهم، وتشكلت بين المبعدين الفلسطينيين وسكان القرى اللبنانية المحيطة بمخيم الإبعاد علاقة وثيقة لا تزال ممتدة حتى اليوم.
وعاش المبعدون في الهواء الطلق وكانوا يفتقدون إلى الاحتياجات الضرورية، وسط أجواء ماطرة ومثلجة، مما تسبب بإصابتهم بالأمراض، وآنذاك كان هناك تعاطف دولي غير مسبوق مع قضية المبعدين الفلسطينيين، حيث تمكن هؤلاء من ترتيب علاقات دولية خلال جلستهم في المخيم.
ووصف أحد المبعدين، “مرج الزهور” بأنه أعلى منبر إسلامي لنشر القضية الفلسطينية، وخاصة أن إسحاق رابين رئيس وزراء “إسرائيل” آنذاك، قال إنه ارتكب خطأ حينما أبعد هؤلاء الفلسطينيين في مكان واحد، ووصف المبعدون المخيم بأنه “مصيف” وخاصة مع قدوم فصل الصيف، لقد كانت الخيم مرتبة وفيها مطبخ رغم قلة الإمكانيات، حيث جرى إنشاء جامع سمي مرج الزهور، كما أن الكثير من الطلبة الجامعيين تمكنوا من تقديم موادهم وهم في المخيم.
كان المخيم عبارة عن حقل ثقافي ووحدوي وتعارفي، حيث تجتمع كل لجنة يوميًا وكان يرأسها عبد العزيز الرنتيسي، وهو أحد مؤسسي حركة حماس، واستشهد عام 2004 بعملية اغتيال صهيونية، وكان وقتها قائد الحركة في القطاع، وكان المبعدون يقومون بنشاطات كثيرة، منها مسيرة العودة، مسيرة المرضى، مسيرة الأكفان وهي التي جرى فيها توجيه رسالة بنعي مجلس الأمن الدولي ونقلت باللغة الإنجليزية أيضًا.
وشكل المخيم لجنة صحية من أجل المرضى لتقرير من هو بحاجة للنقل إلى المستشفى، حتى إن أهالي المنطقة المجاورة من المرج كانوا يأتون إلى الغرفة الصحية ويتعالجون مما ولد محبة وألفة بين الأهالي والمبعدين.
ومن المفارقات أن الطبيب عمر فراونة، وهو أحد المبعدين انتشر خبر عنه أنه يعالج العقم، الأمر الذي ولد حالة من التهافت عليه لطلب العلاج من خارج المخيم، واغتال الاحتلال الصهيوني الدكتور عمر فروانة وزوجته وأبناءه وأحفاده في عدوانه المتواصل على قطاع غزة 2023 بتدمير منزله فوق رؤوس ساكنيه في حي تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة.
وكان الأطباء من المبعدين يقومون بعمليات جراحية لأبناء المنطقة، كما كانوا يذهبون إلى المرضى الذين لم يستطيعوا القدوم إلى المخيم.
وفي المحصلة، ووفق مبعدين سابقين، فإن الإبعاد “قلب السحر على الساحر” وكان “ضارا نافعا” إذ تحول مخيمهم جنوب لبنان إلى قبلة لوسائل الإعلام العالمية، وتحولوا إلى منبر لنقل معاناة شعبهم، فضلا عن استقبال متضامنين وفتح خطوط اتصال وعلاقات مع مختلف أنحاء العالم.



