اراء

لماذا عطّل نتنياهو صفقة تبادل الأسرى 13 مرة؟

بقلم: د. رلى الفرا الحروب..

على الرغم من كل الضغوط التي يمارسها أهالي الأسرى على حكومة نتنياهو، للإفراج عن أبنائهم وبناتهم، منذ أكثر من ستة أسابيع هي عمر هذه الحرب، وعلى الرغم من أن نتنياهو وحكومته كانا قد أعلنا مراراً، أن قرار استعادة الرهائن هو واحد من أهم أهداف هذه الحرب، إلا أن نتنياهو وحكومته عطّلا صفقة تبادل الأسرى مع حماس 13 مرة بحسب تصريحات قادة حماس، وكأنهم لا يريدون الإفراج فعلياً عن هؤلاء الأسرى، فلماذا يا ترى؟.

إنجاز هذه الصفقة يقدم نصراً لحماس لا يريده نتنياهو وقادة جيشه وأركان حكومته، ولاسيما أن واحداً من أهم أهداف معركة طوفان الاقصى كما عبر عنها قادة حماس هو تحرير الأسرى الفلسطينيين وتبييض السجون، وتحقيق هذا الهدف، ولو على أجزاء، يعني انتصارا لحماس وللمقاومة الفلسطينية، وسيشجع فصائل المقاومة على تكرار العمليات التي تستهدف أسر جنود أو مدنيين كلما أرادوا تحرير أسرى من سجون الاحتلال.

وقد سبق أن عبر العديد من أفراد هذه الحكومة وداعميهم في وسائل الإعلام الاسرائيلية عن هذه الفكرة مرارا حين قالوا: ليس من العدل ان يطالبنا أهالي الأسرى بالإفراج عنهم وتبادل الأسرى مع حماس، لأنه لا يجوز أن نعطي المخربين نصرا يهدد وجودنا على المدى الطويل. بل أن الكثير من المحللين من الجنرالات السابقين الذين يظهرون على الشاشات الاسرائيلية قالوا: “ما المشكلة ان يموتوا وان ينضموا الى خسائر هذه الحرب؟ الأهم ان لا نمنح المخربين نصرا”.

هذه الصفقة تتطلب الموافقة على هدنة إنسانية لا يريدها نتنياهو وحكومته وجيشه، كي لا تلتقط حماس أنفاسها من جهة، ولإدامة حالة الصدمة والترويع التي يسعى إلى توليدها في عقول أهالي غزة ومن خلفهم باقي العرب والمسلمين عبر قصفه الوحشي من جهة ثانية، ولأنه لم يتمكن بعد من انتزاع أية صورة نصر عسكري من جهة ثالثة، لاسيما أنه مازال يسعى إلى تحقيق أهدافه بقتل قيادات كبرى في حماس أو تفكيك منظومتها العسكرية والسياسية أو تحقيق إنجاز مهم بعد إنهاك مقاومي حماس وحاضنتهم الشعبية، ولذلك، فإن الموافقة على هدنة حتى لو كانت إنسانية، ولغايات تجميع الأسرى من أماكن وجودهم المختلفة وتسليمهم، لا تدخل في أولويات حكومة نتنياهو وجيش الاحتلال في هذه الحرب، ولاسيما أن حماس مازالت تحافظ على قدراتها في هذه الحرب، فهي مستمرة في قصف المدن والمستوطنات بالصواريخ، ومستمرة في إيقاع الخسائر المادية والبشرية الهائلة في صفوف جيش الاحتلال الذي يحاول التوغل في القطاع ولكنه يواجه بمقاومة شرسة وبمقاتلين كالأشباح.

يريد نتنياهو وحكومته لورقة الأسرى أو الرهائن أن تستمر عامل ضغط أمام عواصم القرار، وأن تواصل دورها في وسائل الاعلام العالمي، وان يستمر حشد الدعم العالمي السياسي والإعلامي والشعبي من خلال هذه الورقة، وشاهدنا كيف ان جميع القنوات التلفزيونية في عواصم العالم، لا يخلو اي تقرير من تقاريرها من قصة صحفية عن الأسرى الاسرائيليين الذين تعرض معاناة أهاليهم وتستعدي العالم ضد حماس واختطافها للمدنيين أطفالا ونساءً ومسنين، كما يريد لهذه الورقة أن تستمر في شحن الداخل الاسرائيلي بالغضب والحقد على الفلسطينيين كلهم، ليستمر دعم المجتمع الإسرائيلي لحرب الابادة والتهجير التي يقودها ضد غزة ومن بعدها سيأتي دور باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة.

يخشى نتنياهو وأركان حكومته وقيادة جيشه مما سيقوله الرهائن المفرج عنهم للإعلام ولأهلهم، الأمر الذي سيفضح الكثير من الأكاذيب التي روجها هو وأركان حربه منذ بدء هذه الحرب، لكسب دعم الغرب وتوحيد المجتمع الاسرائيلي (المنقسم) خلف قيادته، وانكشاف هذه الاكاذيب يعني حتما سقوط نتنياهو وأركان حكومته وقيادة جيشه واستخباراته، كما يعني أيضا عدم تمكنه من مواصلة الحرب الطويلة التي يريدها، من أجل تنفيذ الأهداف غير المعلنة لهذه الحرب وهي إعادة الاستيلاء على الأرض عبر آليات الإبادة والتهجير، أو فرض نظام أمني موال فيها يعمل على تغيير أيديولوجية أهالي القطاع نحو ايديولوجيا مدجنة مسالمة خاضعة للاحتلال قابلة به.

نتنياهو وحكومته الصهيونية المكونة من أقصى اليمين السياسي والديني المتطرف لا يعبأون بالحياة البشرية ليس لأعدائهم فحسب، وإنما لشعبهم نفسه، فنتنياهو سياسي براغماتي قاسٍ كما يصفه أبناء جلدته، ولم يستحِ من استخدام مفاهيم الحرب الدينية في هذه الحرب، ولم يخجل من توظيف نصوص توراتية من سفر التثنية للتعبير عن نيته بإبادة أهل غزة أطفالا ونساء وشيوخا وحتى بهائم وأشجار مذكرا بأوامر الرب “لمحو ذكر عماليق من تحت السماء”، ووزراؤه يمينيون متعصبون مهووسون ينشدون للقتل والدمار ليل نهار، حتى أن أحدهم هدد بقصف غزة بقنبلة نووية، متناسيا حجم الدمار الذي سيخلفه ذلك على شعبه وكيانه المغتصب في ظل اشتراكهم مع أهل غزة في التربة والماء والهواء، وعليه، فإنه لا بأس من وجهة نظر أولئك المتطرفين من ارتفاع أعداد القتلى الاسرائيليين ليضاف الى خسائر السابع من اكتوبر، طالما أنهم سيحققون أهدافاً استراتيجية، خاصة وان موت الأسرى في الحرب يساهم في تغذية حقد الاسرائيليين على حماس والفلسطينيين ويمكن نتنياهو من المضي في تنفيذ خطته مدعوماً بشحنات الحقد والغضب.

نتنياهو كان يدعم أن تكون الوساطة في صفقة تبادل الأسرى مصرية لا قطرية لأن ضماناتها أعلى، فمصر هي رابع أضلاع المربع الجغرافي الذي يخنق غزة أو يمنحها الحياة، والتزام حماس تجاه مصر سيكون أقوى منه تجاه قطر المتعاطفة والداعمة أصلا لحماس حتى لو كان دعمها السابق كما اعترف بعض سياسييها بأوامر أمريكية، لان حماس ان لم تلتزم ستخشى من انطباق الكماشة عليها من قبل مصر.

ولكن، ولأن الرياح لا تجري دوما بحسب ما تشتهي السفن، وجراء الضغوط الهائلة على هذه الحكومة الصهيونية الفاشية الأكثر تطرفا في تاريخ الكيان، بل وفي تاريخ العالم، فإن نتنياهو يجد نفسه مضطرا هذه المرة لقبول هدنة إنسانية يتم من خلالها إنجاز صفقة لتبادل الأسرى المدنيين من نساء وأطفال بالحد الأدنى، مع إدراك أنه لن يعدم الوسائل لتحويل هذه الهزيمة إلى نصر أمام الرأي العام الإسرائيلي، كما فعل منذ بدء هذه الحرب التي لا يمكن وصفها من حيث السلوك الإسرائيلي إلا بحرب الأكاذيب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى