اخر الأخباراوراق المراقب

المقاومة هي الطريق الأمثل لتحقيق القيم الإنسانية

لا يخفى على أحد الدور الساند والأساسي الذي تقدمه جميع فصائل المقاومة بجميع دول المنطقة، حيث إنها السد المنيع وحائط الصد الاول لجميع مخططات الاستعمار والمشاريع الصهيونية الامريكية الساعية الى فرض هيمنتها على جميع دول المنطقة واستغلال مواردها واخفاء حضاراتها الدينية الاصيلة والمحافظة.

إن مقاومة أي شعب هي التجسيد الأروع لإرادة الحياة الكريمة وهي الطريق الأمثل لتحقيق القيم الإنسانية من أجل رفع الأثقال والأغلال عن كاهل المظلومين والمضطهدين.. وهي في قاموس الشعوب الذخيرة الوجدانية والمرجع الصالح، والذاكرة لا تموت وتنطوي على أرفع المعاني التي توجب الافتخار والاعتزاز لتكون الحقيقة الممتدة في تاريخ الشعوب ولتغدو جزءاً من التكوين الثقافي الذي يستحق اهتمام الباحثين والمفكرين والمؤرخين والأدباء وأهل الفن والإعلام فيتناول كل صنفٍ من هؤلاء هذه الأمثولة بطريقته الخاصة في مساهمة فاعلة لترسيخ انتماء جامع لكل الأجيال التي تتغنى بتاريخها وبطولات قادتها وعظمائها والتي تطربُ لها الأحاسيس لمجرد ذكرها وتتفاعل مع كل تفاصيلها بكل زهو وشعور بالاعتزاز الذي يؤكد الصدق والجدارة ذلك لأن الأمة التي لا تضحي من أجل ذاتها وهويتها ليست جديرة بالحياة فضلاً عن البقاء.

إن امتنا التي نفخر بعراقتها وحضارتها وإنجازاتها بين الشعوب والأمم قد طالها من الظلم والاعتداء على مدى قرنٍ كامل كل أنواع التعسف وواجهت كل المراحل الماضية بقوة وثبات وأنتجت الثورات والمقاومات تحت عناوين مختلفة وفي مناطق متعددة إلى أن وصلت إلى مرحلة تشبه الإنهاك ولم يكن هول ما أصابها كافياً لإسقاطها وهي التي تعودت بفكرها وتاريخها ورجالها أن تتحمل أصعب الظروف لكن المشكلة التي جعلتها في موقع الخطر الحقيقي والاستحقاق الأدهى هو أنها بدأت تُدفع باتجاه الخروج من الذات والانقلاب على الهوية، هذا الخطر هو أشد ما واجهها، فإن مراحل الاحتلال والانتداب والتقسيم إلى بلدان ودويلات وأعراق ومذاهب وصولاً إلى مرحلة زرع الكيان الصهيوني في قلب عالمنا الإسلامي والعربي كل هذا تمت مواجهته وقُدمت مئات الآلاف من الشهداء في سبيل ذلك ومن الصعب أن تجد مرحلة لم تكن حافلة بالمقاومة العسكرية والثقافية والاقتصادية.

لكن ما عسى هذه الأمة أن تفعل حيال هذا الحشد الطاغوتي المتتالي الذي سخر كل قوى العالم المادية والمعنوية والسياسية والمترافق مع سيلٍ من الدعاية الكاذبة ووسائل التأثير على الشخصية بغية إفراغها من كل مضامين القوة فيها حتى وجدنا أن بعض القادة وحتى بعض العلماء والمفكرين قد نالهم من هذا التأثير والضغط ما جعلهم في غير الموقع الصحيح.. إن حصول المجازر وعمليات التشريد والطرد من الأرض المقتطعة أو المحتلة وان وقوف القرارات الدولية والسياسات العالمية ومصالح ذوي النفوذ وراء هذه الهجمات المتتالية كان في كثير من الأحيان مبعثاً على اليأس والضعف والهوان. ولا ننسى الأثر السيئ للخيبات المتتالية على مدى عقود مع ما مرت فيه الأمة من مشاهد الخيانة والنكوص وبيع الكرامات من قبل بعض الحكام والمأجورين ـ كل هذه الأمور أوصلت الأمة إلى أسوأ حالاتها في الانحدار والسقوط حتى أصبح الكلام عن منطق الحق في بعض المراحل كلاماً غير واقعي وخارج سياق الأحداث واضطررنا للقبول بقلب المعادلات وصولاً إلى الانقلاب على القيم وهذا أسوأ ما وصلنا إليه.

مهمتان أساسيتان للمقاومة

1- مواجهة المحتل وإخراجه من أرضنا التي دُنست بفعل احتلاله.

2-مواجهة الواقع البائس من أجل تجاوز كل العقبات والموانع المثقلة بتراكمات مأساوية جعلت هويتنا الثقافية الأصيلة غريبة في مجتمعها وأمتها.

وقد كان جلياً للمقاومة وأبنائها في البداية أن الانتصار في المواجهة الثانية هو الذي يؤسس للانتصار في المواجهة الأولى ولذا كانت المهمة شاقة ومكلفة.. المقاومة من هنا بدأت وقامت بدور عظيم وتاريخي لم تغادره على مدى أكثر من عشرين عاما واجهت فيها الوحدة والغربة حتى لقد ألحقت بها النعوت المشينة وكان عليها أن تصمد ولا تسقط.. إن هذا الواقع فرض على المقاومة جهداً استثنائياً اصطلح عليه بالعود إلى الذات وإعادة ترميم الهوية الثقافية في الشخصية المنكسرة والتائهة والمتحيرة وقبلت هذا التحدي وكان عليها أن تكسر كل القيود وان تعمل ليل نهار من أجل إرساء قواعد جديدة في الصراع بعيداً عن كل الأساليب الممجوجة والتجارب الفاشلة.

في الظاهر كانت المقاومة تمارس عملاً عسكرياً وإعلامياً لكنها من ناحيةٍ أخرى كانت تعيش في داخلها ومجتمعها جهاداً مضنياً يهدف إلى إعادة الاعتبار للقدرة الفكرية والثقافية في إثباتٍ عملي تجريبي بات لا ينفع معه الكلام والنظرية والتغني بالأمجاد والركون إلى الاستدلالات العقلية والمنطقية والتاريخية فقط، كان المطلوب أن تعاد الثقة بالمعنى الفعلي إلى هذا الانتماء الحضاري الذي كادت أن تتقطع أوصاله وشرايينه بفعل الهزائم المتتالية، وعليكم أيها الأخوة الأعزاء أن تتصوروا حجم المهمة الصعبة التي يغفل عنها اغلب الناس عادة ولا يعيرونها الأهمية اللازمة لكنها هي الحقيقة والسند الخلفي والمدد الروحي الذي كان المنشأ الفعلي لكل النتائج الباهرة التي حصلنا عليها بفعل المقاومة ومجاهديها، من خلال هذه النظرة الفاحصة والثاقبة يمكننا أن ندرك المهمة التي قام بها ثلة من العلماء والأساتذة والمثقفين الذين كانوا يقومون بدور بث العقيدة وروح التضحية والثبات من الموقع الجهادي المباشر.

نعم إن العمل الثقافي الذي اختارته المقاومة قد لا يكون مألوفاً في أسلوبه عند أهل الثقافة وبحسب الأعراف السائدة، وأحياناً كثيرة والى أيامنا هذه نسمع انتقادات توجه لهذه الثقافة التي تغاير المصطلحات والأنماط التقليدية الموجودة ونحن وإن كنا لا نلوم البعض لأننا نقدر حجم المؤثرات البيئية والمتغيرات الفاعلة والمتراكمة لكن كنا ندرك أيضاً أن الثقافة الأصيلة بمعنى الانتماء الحضاري الفعلي هي دور قبل أن تكون مصطلحاً وهي رسالة قبل أن تكون تقليداً وهي ذات غاية سلوكية وعملية قبل أن تكون نقاشاً ذاتياً أو ذهنياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى