واقع الأمّة ودور المقاومة

إن امتنا التي نفخر بعراقتها وحضارتها وإنجازاتها بين الشعوب والأمم قد طالها من الظلم والاعتداء على مدى قرنٍ كامل كل أنواع التعسف والاستعباد وواجهت كل المراحل الماضية بقوة وثبات وأنتجت الثورات والمقاومات تحت عناوين مختلفة وفي مناطق متعددة إلى أن وصلت إلى مرحلة تشبه الإنهاك ولم يكن هول ما أصابها كافياً لإسقاطها وهي التي تعودت بفكرها وتاريخها ورجالها أن تتحمل أصعب الظروف لكن المشكلة التي جعلتها في موقع الخطر الحقيقي والاستحقاق الأدهى هو أنها بدأت تُدفع باتجاه الخروج من الذات والانقلاب على الهوية، هذا الخطر هو أشد ما واجهها، فإن مراحل الاحتلال والانتداب والتقسيم إلى بلدان ودويلات وأعراق ومذاهب وصولاً إلى مرحلة زرع الكيان الصهيوني في قلب عالمنا الإسلامي والعربي كل هذا تمت مواجهته وقُدمت مئات الآلاف من الشهداء في سبيل ذلك ومن الصعب أن تجد مرحلة لم تكن حافلة بالمقاومة العسكرية والثقافية والاقتصادية.
لكن ما عسى هذه الأمة أن تفعل حيال هذا الحشد الطاغوتي المتتالي الذي سخر كل قوى العالم المادية والمعنوية والسياسية والمترافق مع سيلٍ من الدعاية الكاذبة ووسائل التأثير على الشخصية بغية إفراغها من كل مضامين القوة فيها حتى وجدنا أن بعض القادة وحتى بعض العلماء والمفكرين قد نالهم من هذا التأثير والضغط ما جعلهم في غير الموقع الصحيح.. إن حصول المجازر وعمليات التشريد والطرد من الأرض المقتطعة أو المحتلة وان وقوف القرارات الدولية والسياسات العالمية ومصالح ذوي النفوذ وراء هذه الهجمات المتتالية كان في كثير من الأحيان مبعثاً على اليأس والضعف والهوان. ولا ننسى الأثر السيئ للخيبات المتتالية على مدى عقود مع ما مرت فيه الأمة من مشاهد الخيانة والنكوص وبيع الكرامات من قبل بعض الحكام والمأجورين ـ كل هذه الأمور أوصلت الأمة إلى أسوأ حالاتها في الانحدار والسقوط حتى لقد أصبح الكلام عن منطق الحق في بعض المراحل كلاماً غير واقعي وخارج سياق الأحداث واضطررنا للقبول بقلب المعادلات وصولاً إلى الانقلاب على القيم وهذا أسوأ ما وصلنا إليه.
مهمتان أساسيتان
لا أريد أن أتحدث عن تاريخ معلوم ووقائع واضحة للجميع من أجل التوصيف أو التبرير أو التبرؤ من واقعنا.. لكن ما أردته هو أن اختصر عوامل الانهيار والتراجع التي فعلت فعلها في إنساننا وكادت أن تفرغ شخصيته من عوامل القدرة والانتماء حتى لقد أصبحت الثقافة البديلة الوافدة هي المعيار وهي المحرك وهي الفاعل في مجريات الأحداث ولأقول وبكل وضوح إن مقاومتنا الغالية والعزيزة في لبنان نشأت في مثل هذه الظروف وكان يقع على عاتقها تحقيق مهمتين أساسيتين:
1- مواجهة المحتل وإخراجه من أرضنا التي دُنست بفعل احتلاله.
2- مواجهة الواقع البائس من أجل تجاوز كل العقبات والموانع المثقلة بتراكمات مأساوية جعلت هويتنا الثقافية الأصيلة غريبة في مجتمعها وأمتها.
وقد كان جلياً للمقاومة وأبنائها في البداية أن الانتصار في المواجهة الثانية هو الذي يؤسس للانتصار في المواجهة الأولى ولذا كانت المهمة شاقة ومكلفة.
المقاومة من هنا بدأت وقامت بدور عظيم وتاريخي لم تغادره على مدى أكثر من عشرين عام واجهت فيها الوحدة والغربة حتى ألحقت بها النعوت المشينة وكان عليها أن تصمد ولا تسقط.. إن هذا الواقع فرض على المقاومة جهداً استثنائياً اصطلح عليه بالعود إلى الذات وإعادة ترميم الهوية الثقافية في الشخصية المنكسرة والتائهة والمتحيرة وقبلت هذا التحدي وكان عليها أن تكسر كل القيود وان تعمل ليل نهار من أجل إرساء قواعد جديدة في الصراع بعيداً عن كل الأساليب الممجوجة والتجارب الفاشلة.



