كيف قدّس الإسلام الشهادة وجعلها في أعلى المراتب؟

فضّل الله عز وجل، الشهداء، بخصائص كثيرة، حتى قال في كتابه الكريم، “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”، وهذه الكلمات تصوّر لنا ما عظمة الشهادة في سبيل الله ومن أجل اعلاء كلمته وعدم الرضوخ للباطل، والفساد الذي شاع اليوم بشكل انتشر في غالبية دول العالم.
ان للشهيد في المجتمع، مكانة خاصة باعتبار كل انسان يقدم خدمة لمجتمعه وأمته، فان قيمة ومكانة ذلك الانسان تتناسب مع ما قدمه، فأهل الصناعات وأهل الاختراعات وغيرهم ممن يقدمون خدمة لمجتمعاتهم، لهم قيمة وأثر فيها، لكن لو قارنا تلك الخدمة وما يقدمه الشهيد إحياءً لمجتمعه بدمه وبحياته مع ما يقدمه الآخرون في مجال الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية، لفاق على جميع اولئك، ولذا برزه القرآن الكريم عن غيره ممن يكونوا موتى بوصفه بالحيّ، قال عزّ وجلّ : {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}، كأن ارواحهم احضرت دار السلام احياء وأرواح غيرهم أخرت الى يوم البعث، بالإضافة الى ذلك، فالشهادة رتبة عالية ليس فوقها رتبة، يقول الرسول (صلى الله عليه وآله) في حديثه: (فوق كلّ برّ، برّ حتى يُقتل الرجل في سبيل الله، فاذا قُتل في سبيل الله عزّ وجلّ فليس فوقه برّ).
ولذلك نلاحظ تعاطف الشعوب مع الشهداء والاهتمام بهم دون غيرهم، وهذا يكشف عن مكانة ما قدموا لتلك الشعوب، لأنهم جادوا بأنفسهم، فكان لهم الأثر الواضح من خلال الجانب المادي، والمعنوي، فبدمائهم تحققت الحرية والاستقلال، وينجلي الظلم والقهر والفساد ويتحقق العدل والانصاف، وتترسخ المثل والقيم السماوية التي تمثل القيم المطلقة التي شرعها الله تعالى. وهذا الاثر الايجابي للشهيد الذي حققه بدمه اضاء للأمة دربها وأنار لها طريقها، ولا شك ان من يثبت هذه القيم ويرسخها في الامة، لابد ان يحظى منها بأعظم اهتمام.
فالشهادة تعني المشاهدة ورؤية الشيء بنفسه، ولذلك تطلق باللغة على الشاهد، لأنه يشهد بما يعلم علما يقينا فهو شاهد، ومن هذه الرؤية اطلق هذا اللفظ على النبي (صلى الله عليه آله) وعلى المسلمين، لانهم يشهدون على الامم التي كذبت بالرسل ويشهد النبي على أعمال أمته، {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}.
آثار الشهيد في المجتمع
ان الذين يقتلون في سبيل الله يصيبهم الفناء والانعدام، كما يفيد لفظ الموت المقابل للحياة، وكما يفيد عدم احساس الانسان بحياة ما بعد الموت وعدم شعوره بها، لكن الحقيقة القرآنية، تقول، بل أحياء لكن الحواس الظاهرية لا تدرك ذلك ولا تشعر به، فهم أحياء عند الله يرزقون من الخيرات ويرون من الكرامة التي تجعلهم يتمنون الرجوع الى الدنيا مرة أخرى، ليقتلوا في سبيل الله لما رأووه من الفضل والكرامة، فعن النبي (صلى الله عليه وآله): (ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها ان ترجع الى الدنيا وان لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد فانه يتمنى ان يرجع الى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة).
وإحياء الحالة النورانية في المجتمع، وذلك يعطي الشهيد للمجتمع معنى الحرية والخلود بالوقوف ضد الظلم، فنوره يضيء للأمة الدرب لسلوك طريق الرقي والتطور. واشعار الأمة بالحياة، لأن بدمهم الطاهر احيا الإنسان من جديد بعد موت الضمير فيه، لقبول الظلم والظالمين. وايجاد الاستقرار في المجتمع والمساعدة على الانتاج والتطور.
ودفع شبهة الأسى على الشهداء وكيف انهم ماتوا وفنوا وخاصة عندما تتجدد على الاحياء ممن يتولاهم النعم، فيتأسفون على غيابهم، ولذا قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} .وبقاء الحضارة الإسلامية وديمومتها منذ صدر الإسلام والى يومنا هذا وما بعده.



