اراء

إيران والمنتظر منها في ملحمة طوفان الأقصى!

بقلم: د. محجوب أحمد قاهري..

لم أنس يوما احداث اقتحام السفارة الامريكية إِبَّانَ الثورة الاسلامية في إيران. كان ذلك في أحد صباحات نوفمبر 1979. جاء الخبر، وانتشر بين طلاب المدارس، وكنت واحدا منهم. سريعا توقفت الدروس، وخرجت التظاهرات العارمة في كل ربوع تونس. لم نكن نعرف آنذاك إيران، ولا أهدافها، ولا توجهاتها، الا اننا كنا نفهم، بان الامريكان تلقوا صفعة كبيرة، مذلّة، لن ينسوها ابدا. بالحدس وحده كنا ندرك بان الامريكان هم سبب خراب هذه البلدان. فهم القوة الأهم، التي تمتلك أسلحة مدمرة، وأخرى ذكية، تعمل بها للسيطرة على العالم، وقمع كل معارض لها.

وفرحنا كثيرا لظهور قوة اهانت الامريكان، أذلتهم، واخذت منهم الرهائن، دون وجل او خوف او رعب من ترسانتها العسكرية. فرحنا لأننا كنا نرى ذل حكام العرب، ولا أحد يرد عليهم كل المهانات التي يتعرضون اليها. فاعتقدنا بان ذلك هو قدرنا.

وكان السؤال الكبير، ونحن نتقدم في العمر، ونبحث في مستقبل العرب: هل تواصل إيران قوّتها لتدفع عن العرب ذلهم؟ او تساعدهم على ان يخرجوا من مواطن الوهن؟ وإعادة سيادة بلدانهم الى شعوبهم؟

ثم تفاجأنا، بان أمريكا كانت تفهم الابعاد الاستراتيجية للثورة الإسلامية الإيرانية، ولأحداث السفارة، وخسارتها الفادحة. فحاولوا ضرب تلك الابعاد باستحضار الخلافات الحارقة للاختلافات المذهبية ما بين سنة وشيعة. وصبوا زيتهم واوقدوا نارهم. واحضروا جنودهم في بلاد السنة. فأغرقوا المنطقة في خلافات وحرب ودم، لا رابح فيها الا امريكا والكيان العنصري المصطنع، ووكلائهم من حكام العرب.

فهمت إيران الخطة كاملة. لم تيأس من كثرة الأعداء. ولم تهن من قوة الخصوم. شمّرت على سواعد ابنائها، والتحمت بمنصات العلم والتكنولوجيا، بمواردها البشرية والصناعية الذاتية، وصنعت أسلحتها. فأصبحت القوة التي يحسب لها ألف حساب، لا بل مليون حساب. ثم مدت يدها الى احرار العرب الذين يبحثون عن تحرير بلدانهم من الاحتلال المباشر. فظهرت أطياف منظمة، شديدة الباس في جنوب لبنان وفلسطين المحتلة وسوريا والعراق واليمن. اطياف اتبعت نفس التمشي، خلق القدرة الذاتية، وتطويرها الى مستوى الردع. وهو ما يحدث الان. ونبت حلف المقاومة. وكان كل الفضل الى الفئة التي آمنت بالحرية، والى إيران التي مدت يدها إليهم، وارشدتهم الى الطريق، ودعمتهم بكل الوسائل.

إيران وحدها كانت السند للمقاومة الإسلامية في فلسطين المحتلة، حماس وغيرها. ساعدتها بالفكر، والمال، والعلم، والسلاح. إيران وحدها هي التي ساعدت حماس على خلق معادلات جديدة في كل منطقة الشرق الأوسط وضد الكيان الغاصب. إيران وحدها ظلت تقول بان هناك “وحدة الساحات” وان ساعة الصفر اقتربت، فلا تفتحوا عليكم باب جهنم. وهو ما خلط أوراق أمريكا أولا وثانيا وعاشرا، فدعت قادة الكيان الغاصب الى التريث قبل غزو غزة، وصرحت أنها لا تريد توسيع دائرة الحرب. هذا لا نقوله ظلما، او تحيزا، بل هي الحقيقة. فحكام العرب، حسب صحيفة النيويورك تايمز، اكدت بان الزعماء العرب موافقون على القضاء على حماس سرّا، لذلك كانت أصواتهم خافتة، لا تكاد تسمع امام هذه الإبادة الجماعية التي يتعرض اليها النساء والاطفال والشيوخ في غزة.

ولا يخفى على أحد بان المطلوب من إيران كثير جدا، ربما قد لا يحتمله وضعها، فيما يخص طوفان الأقصى. العرب، حتى أعداء إيران يترقبون ان تتدخل إيران لإيقاف الابادة الجماعية على غزة بسلاح امريكا. عرف العرب عجز حكامهم، لكنهم يتوقون الى فعل إيران، الى قوة إيران، الى حسم إيران. ويرون كذلك بان فعل إيران لم يرتق الى الان الى المستوى الأدنى المطلوب، الى حماية المدنيين من القتل والتهجير.

يحاول أردوغان، بان يكون صوت العرب المخذولين. فكان خطابه الأخير زلزالا، واضحا، الا ان هؤلاء الكثيرين يدركون جيدا، بان اردوغان سيتوقف الى حد معين، وان حده الأعلى لن يتجاوز قطع العلاقات مع الكيان، لفترة معينة، ثم يقوم بإرسال بعض المعونات للمنكوبين في غزة. ولن يزيد. ويعتقدون بان إيران، قادرة فعليا، على الأرض، وان بإمكانهم تغيير كل المعادلات. وهي تعرف كيف يحدث ذلك.

المطلوب من إيران في طوفان الأقصى، ان لا تسمح بسقوط المقاومة، وباستمرار هذه الإبادة الجماعية على اهل غزة. فجنون أمريكا والكيان فاق الحد، وعليه ان يتوقف، هذا ما تنتظره الشعوب العربية. وهي لا تنتظره لا من حكام العرب، او الغرب، او من أمريكا، او الأمم المتحدة، انها تنتظره من إيران عينا.

لم يعد كافيا من إيران هذه التحركات الخجولة التي تقوم بها لمساندة المقاومة. المطلوب تغيير المعادلة الان، وليس بعد ساعة. فالدماء تسيل في غزة بطريقة سريالية..

فهل تفعلها إيران.. فنخرج الى الشوارع احتفالا بالنصر كما فعلنا ذات صباح من نوفمبر 1979… ربما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى