الدعاء والتضرع إلى الله

كثيرة هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وايضا الروايات التي وصلت لنا من اهل البيت”ع” ووصاياهم في التقرب الى الله تعالى من خلال الدعاء والاكثار منه كونه أحد ابواب قبول التقرب الى الخالق عز وجل.
الدعاء وسيلة المسلم للتضرع إلى الله تعالى، والإيمان بأنه وحده مالك الملك، حيث يتم من خلال الدعاء إظهار الاعتماد الكامل عليه، سبحانه، في جميع الأمور، ويساعد الدعاء في تطهير النفس من الخطايا والذنوب، ويعتبر وسيلة للشكر والتقدير لنعمة الحياة وكل ما فيها، ولذلك، فإن المسلمين يشعرون بأهمية كبيرة للدعاء.
لقد ورد الحثُّ الشديد في الآيات والروايات على الدعاء، وأنّه باب من الأبواب فتحه الله عزَّ وجلَّ لعباده، وطلب الحوائج من الله لا يختصُّ بالأمور العظيمة أو الخطيرة التي تُحيط بهذا الإنسان بل حتَّى صغائر الأمور على الإنسان أن يتوسَّل إلى الله ليُنفّذها له، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: “عليكم بالدعاء، فإنَّكم لا تقربون إلى الله بمثله، ولا تتركوا صغيرة لصغرها أن تدعوا بها، إنّ صاحب الصغار هو صاحب الكبار.
والدعاء بابٌ من أبواب الارتباط بالله عزَّ وجلَّ، نعم أيّها الداعي! إنّ الله عزَّ وجلَّ بكلِّ شيءٍ محيطٍ فهو غنيّ عن التفسير والسؤال، ولكن هذا لا يمنع من الدعاء، ولكنَّ الله عزَّ وجلَّ جعل بعض الحوائج والمسائل مرتبطة بالدعاء فلا يكتبها للعبد إلّا إذا دعا الله بها، ولذا ورد في كلام أمير المؤمنين وصف الدعاء بأنّه مفتاح بيد العبد يصل من خلاله إلى خزائن الله عزَّ وجلَّ، وهل يمكن أن يصل إلى تلك الخزائن دون أن يتوسّل بهذا المفتاح؟!
يقول الامام علي عليه السلام في وصيته لابنه الحسن عليه السلام: “اعلم أنَّ الذي بيده خزائن ملكوت الدنيا والآخرة قد أذن لدعائك، وتكفَّل لإجابتك، وأمرك أن تسأله ليُعطيك، وهو رحيمٌ كريم، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يُلجِئك إلى من يشفع لك إليه ثمَّ جعل في يدك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه”.
والدعاء كما يكون باباً لقضاء حوائج الإنسان الدنيويّة فإنّه بابٌ للوصول إلى مقامات عُليا عند الله، فثواب الدعاء وغايته لا تنحصر بقضاء الحوائج الدنيويّة، بل للداعي منزلةٌ عند الله عزَّ وجلَّ، ففي الرواية عن النبيّ صلى الله عليه وآله: “يدخل الجنّة رجلان كانا يعملان عملاً واحداً، فيرى أحدهما صاحبه فوقَه، فيقول: يا ربِّ بما أعطيته وكان عملُنا واحداً؟ فيقول الله تبارك وتعالى: سألني ولم تسألنِ.
واستجابة الدعاء من الله تكون علي درجتين، فهي إما أن تكون بالتحقق العيني، او الغيبي، والاستجابة بالتحقق العيني هو تحقق لفظ دعائك، فأنت دعوت بالمال فجنيت، أو الذرية فأولدت. أمَّا الاستجابة بالتحقق الغيبي فلا تتحقق بلفظ دعواتك، لكنَّه تحققٌ آخر نعرفه في: حصول المغفرة، وحصول الخير في ضرْبٍ آخر. فحينما قالها -عزَّ وجلَّ- ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قالها مقالةً تليق بإله لا شريك له، مقالةً تعني التحقق بكل الأحوال.
فالله لم يرد دعاءً قط، فالاستجابة لم تكن محصورة في التحقق العيني أو الماديّ فقط، لكن هي تمتد تشمل ضروب الخير كلَّه، فالخير نعم في مغفرةٍ من الله، والخير نعم في رفع من الدرجات، والخير نعم في تحقق شيء اختاره الله لك، ونفسك ابن آدم ليس لا لها القدرة علي إدراك الخير وتحديد وجوهه أو قل أكثرها، فإنْ نحن لم نفهم معني الاستجابة بأوجهها تلك من التحقق العيني أو الغيبي، حينها يغلبنا الظَّن من نفوسنا بأنَّ الاستجابة تعني التحقق العيني فلا تتعدَّ، فنرى معنى الاستجابة محصورًا بين ذلك المعنى الفقير فقط، ويصبح معنى رد الدعاء طاغيًا علي معاني الاستجابة.



