سعيد بن جبير.. صوت الحق وأحد مفاخر التأريخ الإسلامي

سعيد بن جبير، هو من الشخصيات التي صدح صوتها بالحق، فلم يأبه بالأنظمة الحاكمة الظالمة ولم يخشَ شيئا في اعلاء كلمة الحق، حتى صار رمزاً تأريخياً خاصة وانه تتلمذ على يد عبد الله بن عباس وتلقى على يديه العلوم نبوغاً عالياً وقابلية على إدراك الحديث فاقت قابليات غيره ممن قدموا عليه لطلب العلم.
وهو أبو عبد الله ــ وقيل أبو محمد ــ سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء مولى بني والبة – بطن من بطون بني أسد بن خزيمة ــ ولد في الكوفة من أبوين مملوكين، أبوه جبير مولى بني والبة وأمه أمة تكنى بـ(أم الدهماء)، قال ابن العماد الحنبلي: وكان ــ أي سعيد ــ مملوكاً أسود.
ولم يكن ابن عباس الوحيد الذي أخذ عنه سعيد العلم فقد روى ابن كثير في حديثه عن سعيد فقال: (من أكابر أصحاب ابن عباس كان من أئمة المسلمين في التفسير والفقه وأنواع العلوم وكثرة العمل الصالح ــ رحمه الله ــ وقد رأى خلقاً من الصحابة وروى عن جماعة، منهم من الصحابة).
صحب سعيد كثيراً من الصحابة والتابعين وروى عنهم لكنه لم يجد ضالته في العلم حتى التقى بالإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) فنهل من هذا المنهل العذب العلوم الإلهية واغترف من المدرسة المحمدية، فقد تشرّف سعيد بصحبة هذا الإمام العظيم فلازمه بعد وفاة ابن عباس فانتقل سعيد إلى المدينة المنورة، وقد ذكر الكشي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: (كان سعيد بن جبير يأتم بعلي بن الحسين فكان (ع) يثني عليه وما كان سبب قتل الحجاج له إلاّ على هذا الأمر وكان مستقيماً).
عاصر سعيد الكثير من الأحداث المأساوية التي مرت بها الأمة الإسلامية فكانت أصداء واقعة الطف وما جرى على آل الرسول في كربلاء ثقيلة الوطأة عليه فروي عنه قوله: (ما مضت عليّ ليلتان منذ مقتل الحسين (ع) إلا أقرأ فيهما القرآن أو مسافراً أو مريضاً).
كما شهد سعيد ثورة ابن الزبير ورمي الكعبة المشرفة بالمنجنيق من قبل يزيد وكذلك واقعة الحرة واستباحة مدينة الرسول من قبل مسلم بن عقبة مجرم يزيد، وغيرها من جرائم بني أمية التي أدمتْ قلوب المسلمين وخاصة أمثال سعيد بن جبير من المؤمنين المخلصين فكانت آلامهم أشد وهم يرون المقدسات والحرمات تنتهك والدماء البريئة تسفك والأموال تنهب بغير وازع من دين أو ضمير.
ومثل سعيد بمكانته العلمية لا يسكت على مثل هذه الأعمال الإجرامية فرفع راية الرفض وأنكر على عبد الملك هذه الأعمال الشنيعة وصدح بقول الحق أمام الحجاج والي العراق حتى مضى شهيداً فساند القرّاء من الصحابة والتابعين في ثورتهم على الأمويين وحينما سُئل عن خروجه على الحجاج قال: (إني والله ما خرجت عليه حتى كفر).



