اخر الأخبارثقافية

سيروان باران يدين الحروب التي عايشها طوال حياته

عبر أعماله التشكيلية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد حسام السراي أن التشكيلي سيروان باران استطاع أن يدين الحروب التي عايشها طوال حياته عبر أعماله التشكيلية التي انجزها في العراق والبلدان التي عرض فيها تلك الاعمال.

وقال السراي في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي “: نملك اليوم سيرة بصفحات طوال عن قصص الحروب الداخليّة والخارجيّة، لعلّه منذ سبعينيات القرن الماضي، وحتّى آخر حرب مريرة خاضها البلد ضدّ داعش. ولأنّ عدداً من الفنّانين العراقيّين راح يقدّم أعمالاً أتت في سياق ردود الأفعال على ما حصل بنحو مواكب لغضب الناس وسخطهم، جريمة سبايكر أحد الموضوعات، لذا وتحت هول ما عنته هذه الأحداث من وحشية، جاء العديد من اللوحات والأعمال الفنيّة، مندرجة في إطار توثيق ما تتركه الحروب من انكسارات في الذات”.

وأضاف:إن” الذي قدّمه الفنّان سيروان باران في تجربته الاخيرة وعرض في  بينالي “فينسيا” بدورته الـ 58، كان مختلفاً؛ لجهة الاشتغال العميق في “آخر الجنرالات” و”الوجبة الأخيرة” على إبراز المأزق التاريخيّ الذي وقع فيه أبطال العملين المُقدمين مؤخّراً، والتي أفضت إلى نهايتهم، وللتسامي أيضاً على فكرة المماحكة الآنية للحدث والاحتجاج عليه باسم الفنّ والجمال لإظهار قبحه”.

وتابع :إن”سيروان أراد أن يختصر عقود الحروب العراقيّة عبر سطح كلّ عمل، في مفارقة أنّ هذا الفنّان المولود ببغداد 1968، أدان سلسلة حروب بعمره تقريباً، عايشها جنديّاً ورسّاماً في مراحل سابقة من حياته، ملخّصاً مأساة البلد بأكمله، في كلّ من النحت الذي اشتغل عليه عشرين يوماً والرسم بما استغرقه من شهر واحد”.

وأوضح :”أن في عمله الأوّل نحن أمام جنرال يحاول الهرب على متن قارب، لكنّ الغرق يبقى حليفه في النهاية، إلا النياشين والأوسمة هي التي تظلّ شامخة على جسده، في استحضار أبعد من أن يكون تجريبيّاً، يضمر رفضه لكلّ السلطات والحكومات سواء التي صنعت الحروب أو التي علقت ما تريد على صدور رجالاتها، فهم ضحاياها في النهاية”.

وبين :”أنَّ هناك “آخر الجنرالات” عمل نحتي بحدود (270 – 80 سم)، مادّته من (الفايبر كلاس)، استعاد فيه شعيرة جنائزية تخصّ السومريّين، وهي أنّ الميت يوضع في مشحوف (قارب صغير يستخدم في أهوار وأنهار جنوب العراق)، وبحسب هذا الإرث فإنّ الملك السومري تُترك معه أهمّ موجوداته وخصوصاً الثمين منها. ومع هذا الجنرال فإنّ نياشينه هي أهمّ ما عنده ساعة الحرب وقُبيل الفتك به، جعلها الفنّان شاخصة على صدر جثّة نصف متحلّلة، وهي بقيافة متخيّلة لم يمسسها التفسّخ الذي طال الجسد، في تسوية فنيّة تجعل هذا القائد ضحية أيضاً، مثلُهُ مَثلُ جنوده”.

وواصل:”أما مشهد لوحة الجنود بقياس 4- 5 م، فسخّره باران وكأنّه بعين طائر في السماء بوصفه شاهداً على هؤلاء الضحايا وهذه الحروب بعمر 45 عاماً، ومهم هنا أن ننتبه إلى الكثافة اللونيّة للأخضر وهو ولون ملابس العسكر الذي لا يزاحمه إلا اللون البني للأرض التي ستبتلعهم ورسم هذا العمل لم يكتمل إلا بعد زيارة للفنّان إلى بغداد، التقى فيها بعائلات جنود لا على التعيين، حيث حصل منهم على ملابس أبنائهم وأنواط الشجاعة التي نالوها، وهي التي وظّف أغلبها كقطع أصليّة داخل فضاء “الوجبة الأخيرة”. أما الصحون فوضعها بتركيبتها الحقيقية ليبدو مشهدها صادماً بواقعيته وجاذباً لعين الملتقي، حينما جعل سطح اللوحة مجالاً يفرض فيه أسلوبه الخاص بالتوفيق بين مضمون فكرته عن الإدانة، وهي تتضح من هيئات أجساد تبدو وكأنّها تحتضن بعضها البعض، وبين تقنيات التوظيف لملابس الجنود في مقابل الصحون التي هي منالهم الأخير قبل الفناء، وحتّى إزاء ما يجاور العمل عبر نماذج من مراسلاتهم لعائلاتهم “.

وأكمل :”وبتأويل عنوان “الوجبة الأخيرة” وتأمل مضمونه، نلمس مقاربة بائنة مع لوحة “العشاء الأخير” وما احتوته من حركة ودهشة على الوجوه؛ بهدف الإفصاح عما في الحروب العراقيّة أو في المواجهة مع داعش أما دافع باران من هذه المشاركة، وبهذا الإنتاج الذي لا تنتهي وظيفته مع انتهاء البينالي في تشرين الثاني المقبل، فبرّره بالتالي: “تستمرّ الحرب في العراق منذ سبعٍ وأربعين سنة، وأنا الآن في الحادية والخمسين من عمري. أريد أن يفهم الزوار ما معنى أن تحيا حياتك كاملة في صراع”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى