اخر الأخبار

بين حرية الفكر والإنحراف عن الجادة..رؤية إسلامية

غفغفف

الفكر هو قوّة في داخل الإنسان ناجمةٍ عن امتلاكه للعقل،فالتفكير هو العمليّة العقليّة الّتي يكتشف الإنسان بوساطتها الحقائق.وهذه القوّة قد منحها الله للإنسان الّذي يولد جاهلاً:”وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً”، وهو من خلال الفكر والدراسة يتعلّم،حيث يفكّر في كلّ مسألة يحتاج إليها بطريقة علميّة ليفهمها فهماً صحيحاً.
حريّة الفكر وحقوق الإنسان
هناك جملة قضايا لا تبلغ النضج الاجتماعيّ المطلوب إلّا بترك الإنسان حرّا فيها، ومنها النضج الفكريّ، لكيلا يعترض تقدّمه أيّ مانع أو حاجز يحول دون تنمية قابليّاته الّتي ينشدها لتحقيق سعادته، وبما أنّ الفكر هو من أهمّ ما ينبغي تنميته لدى الإنسان، والتنمية بحاجة إلى الحريّة كما تقدّم، فالإنسان بحاجة إلى الحريّة في الفكر، لذا تعدّ حريّة الفكر من حريّات الإنسان الاجتماعيّة، وتدخل في صميم شؤونه الحياتيّة.
ومن هنا احتلّت حريّة الرأي اليوم أهميّة عالميّة، وقد ورد ذلك في مقدّمة الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، بل عدت فيها من “أسمى الأهداف الإنسانيّة”. ذلك أنَّ أمنية البشر هي في حريّة إبداء الرأي، بالإضافة إلى الشعور بالاستقرار الأمنيّ والرفاهية الاقتصاديّة، فتشكّل هذه الأمور معاً هدفاً بشريّاً.
وعليه فإنّ الفكرَ والتفكيرَ عمل ضروريّ وواجب، بل هو من مستلزمات الحياة البشريّة حيث لا تستقيم بدونه.وكذلك الكلام في مسألة الدِّين، فإنّ الإنسان لا يمكن أن ينضج في القضايا الدينيّة ما لم يُعطَ الحريّة الفكريّة، أمّا منع الناس من التفكير خشية الوقوع في الخطأ فيعدّ خطأ فاحشا، حيث يؤدّي إلى عدم النضج في قضاياهم الدينيّة والتقدّم فيها.
حريّة الفكر في الرؤية الإسلاميّة
بعد أن تبيّنت أهميّة حريّة الفكر من الناحية الاجتماعيّة وفي القانون العالميّ الوضعيّ، لا بدّ من دراسة القضيّة بالمنظار الإسلاميّ لتحديد الموقف الصحيح من حريّة الفكر والعقيدة، فالسؤال:هل يؤيّد الإسلام هذه الحريّة أم لا؟. إنّ الإسلام لم يكتفِ بمنح حريّة التفكير بل جعلها من الواجبات والعبادات، ويشهد لذلك عدّة أمور:
ـ التفكر الوارد في القرآن
أوّلاً: ما ورد من الآيات القرآنيّة الّتي تحثّ على التفكّر، بحيث لا نجد في أيّ كتاب دينيّ أو غير دينيّ هذا القدر من دعوة الناس إلى التفكير في شتّى المجالات، كما في قوله تعالى:”إِنّ‏َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ”، وقوله:”وَفِي الْأَرْضِ آيَات لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ”، ومثل هذه الآيات كثير جدّاً في القرآن الكريم.
ـ الأحاديث الشريفة
ثانياً: عدّت الأحاديث الواردة في السنّة الشريفة التفكير عبادة:”تفكّر ساعة خير من عبادة سنة”.،وفي آخر “..خير من عبادة ستّين سنة”،وفي ثالث “..خير من عبادة سبعين سنة”.
لذا نلاحظ أنّ الإسلام لا يقبل الإيمان بأصول العقائد تقليداً، بل يطالب الناس بالتحقيق في أصول الدِّين، فهو يرى للناس حريّة فكريّة تكون الأساس لقبول الإيمان بوحدانيّة الله والنبوّة والمعاد، فالإسلام يعد أنّ التوحيد والنبوّة والمعاد وسائر الأصول الاعتقاديّة مسائل يجب التفكّر فيها والوصول إلى حقائقها من خلال الجهد العلميّ.
كيف نتعامل مع الوساوس والشبهات؟
إذا كان التفكير يؤدّي إلى حصول وساوس وشبهات في الذهن، فهل يحقّ للشخص الّذي يخطر في ذهنه شبهة أن ينقلها إلى الآخرين؟.
وفي حقيقة الأمر لا يعدَّ الإنسان مذنباً ولا يعذّب ما دامت الوساوس والشكوك في القلب، وقد تطرّقت روايات كثيرة إلى مسألةِ ما لو طرأ على الذهن بسبب هذا التفكير شبهات وشكوك ووسوسة، منها ما روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قال:”رفع عن أمّتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة”.
وعلى الإنسان إن كان في حالة تحقيق وبحث، أن يرجع إذا شكّ إلى نبيّه إلى تعاليم الإسلام، حيث يعدُّ هذا الأمر ضروريّاً للوصول إلى الحقائق، وعليه لا بدّ أن نسلّم بأنه يحقّ لأيّ شخص حصلت لديه شبهة أن ينقلها إلى الآخرين بهدف حلّها، وهذا حقّ طبيعيّ له، ويجب حلّ شبهته.
ونحن إذا راجعنا التاريخ نجد أنّ الناس كانوا يسألون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة الأطهار(عليهم السلام) عن أمور كثيرة يتعلّق قسم كبير منها بمجال الاعتقادات.من هنا يتبيّن أنّ الشكّ الّذي هو أمر سيئ في نفس الوقت هو معبر جيّد وضروريّ.
نعم، لو بقي الإنسان في حالة الشكّ وبقي في مكانه فهذا هو الهلاك وشكّ الكسالى،وكذلك الأمر لمن أصبح عنده التشكيك هدفاً يحاول بوساطته التشويه والتشنيع على تعاليم ومفاهيم الإسلام، كما نرى ذلك في كلّ عصر من العصور، حيث تظهر طائفة من الشكّاكين الّذين ينشرون الشبهات بين عامّة الناس.
نماذج مشرقة من الحريّات
يلاحظ المتتبّع للتاريخ الإسلامي أنّ الإسلام لم يُكره الناس على الإيمان ولم يحارب الشعوب،نعم حارب الحكومات المستبِّدة الّتي قيّدت الناس بسلاسل فكريّة خياليّة،ولهذا آمنت الكثير من الشعوب بالإسلام عن رغبة وشوق، فحريّة العقيدة من الصفحات الساطعة في التاريخ الإسلاميّ، وقد ذكر سببان أساسان لانتشار الحضارة الإسلاميّة وهما:
– الحثّ المستمر للإسلام على التفكير والتعلّم والتعليم.
– احترام الإسلام لعقائد الشعوب، والتسامح والتساهل في هذا المجال الّذي أدّى إلى الذوبان التدريجيّ للأديان الأخرى في الإسلام.
فالإسلام الّذي يثق بمنطقه يطلب من المسلم التفكير بكلّ ما يرغب، ولكن ضمن قواعد، وعلى ضوء المنطق وفي حدود القدرات الفكريّة للناس.
والنتيجة: يتبيّن مما تقدّم أنّه بنظر الإسلام ليس التفكير في أصول الدِّين جائزاً فحسب، بل هو أمر واجب، فحريّة التفكير هي من مفاخر الإسلام الّتي أعطاها لجميع المسلمين والشعوب الأخرى ومنذ بزوغ فجر الإسلام.
بين الإسلام وبقيّة الأديان
يظهر الفرق بين الإسلام وسائر الأديان، من خلال ما تقدّم من تأكيد الإسلام على وجوب التفكير لتحصيل الاعتقادات، ففي المسيحيّة مثلاً الأمر بالعكس، حيث عدّت أنّ أصول الدِّين فوق مستوى العقل والفكر، فقالوا إنّ هذه الأصول تدخل في دائرة الإيمان وليس في دائرة العقل، ولا يحقّ للناس التفكير في دائرة الإيمان، فإنّها دائرة التسليم فقط.
فالفرق بين الإسلام وغيره: إعلان غيره أنّ أصوله الدينيّة هي منطقة محظورة على العقل والفكر، فيما الإسلام يعلن أنّه لا بدّ من اقتحام العقل والفكر لهذه المنطقة ومن ثمّ يحصل الاعتقاد، وهذا معنى حريّة التفكير.
حريّة العقيدة بين الإسلام والإيمان
حينما جاء بعض الأعراب وزعموا أنّهم آمنوا قال الله تعالى في القرآن الكريم:”قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُم”.فيترتّب على تشهّد الشهادتين بقصد الإسلام عدّة أحكام حقوقيّة، كأن يُعدّ المرء داخلاً في زمرة المسلمين مساوياً لهم في الحقوق الاجتماعيّة، فيمكن أن يتزوّج المسلمة إن كان رجلاً، وتتزوّج بالمسلم إن كانت امرأة .وأمّا المؤمن فإنّ أفعاله تقترن بالإيمان، والاعتقاد، والالتزام القلبيّ.

خصائص الإيمان
يشترط في الإيمان الذي يمثل الاعتقاد والالتزام القلبيّ فقد عدّة خصائص:
أوّلاً: لا يتحقّق بالإكراه: إذ يعد الإسلام أنّ الدِّين والإيمان هما بغاية الوضوح بحيث لا يُحتاج فيهما إلى الإكراه، قال تعالى::لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ‏ِ”، فقد اتضحت الحقيقة واتضح طريق الهداية من طريق الضلال، وإذا لم يسلك شخص طريق الهداية فليس ذلك إلّا بسبب المرض، بل أكثر من ذلك حيث يعتقد الإسلام بأنّ الإيمان لا يمكن أصلاً أن يحصل بوساطة الإكراه، فكما أنّ الطفل لا يمكن أن يحلّ مسألة ما إذا ما قُيّد وضرب ضرباً مبرحاً، بل لا بدّ لحلّها من تركه يفكّر بحريّة، كذلك الإيمان.
ثانياً: يجب أن يتحقّق عبر التفكير ودعوة المنطق: وهذا يجب أن يكون من خلال إجالة الأمور في الذهن وكثرة التفكر بها الّتي تخضع لها القلوب، وتنبت فيها المحبّة، يقول تعالى:”ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”.
ثالثاً: أن يتم بالتذكير والإرشاد:يقول تعالى:”فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر”.
وفي النتيجة إنّ الإيمان لا يمكن فرضه كما المحبّة والصداقة، فمحبّة شخص مثلاً لا يمكن جعلها في قلب من يكرهه، ولا يمكن سلب محبّة آخر من قلب محبّه، هكذا الإيمان إذ الإسلام يريد منّا الالتزام القلبيّ لا مطلق الانقياد.
العقيدة الحقّة الّتي يقبلها الإسلام
يقبل الإسلام الاعتقاد إذا كان مبنيّاً على أساس التفكير،وأمّا العقائد القائمة على الوراثة والتقليد فهي قائمة على الجهالة ولذا لا يمكن للإسلام أن يقبلها،فعدم التفكير،والخضوع لعوامل مضادّة للفكر لا يمكن للإسلام أن يقبله باسم حريّة العقيدة أبداً.
فهناك اختلاف كبير بين حريّة التفكير وبين حريّة العقيدة، من هنا فإنّ الإسلام يعطي الإنسانَ حريّة تفكيرٍ مطلقة، وكذلك يعطيه حريّة الاعتقاد إذا كان مبنيّاً على أساس التفكير، لأنّ حريّة العقيدة الّتي لا تكون قائمة على أساس الفكر هي بمعنى حريّة الرقّ والقيد والأسر، وهذا ما جاء الإسلام لإنقاذ الإنسان منه.
منشأ الإعتقاد لدى الإنسان
تُبنى الاعتقادات على أساس التفكّر ودعوة المنطق كما تقدّم،وبذلك تكون اعتقادات سليمة ومقبولة،إلّا أنّ هذه الاعتقادات تحصل أحياناً من دون أن يكون للعقل والفكر أيّ دور في حصولها،ولذلك عدّة مناشئ:
فقد يعتقد الإنسان بأمر نتيجة التعلّق والميل القلبيّ أو لانجذاب مشاعره نحو أمر ما،كما أنّه قد يعتقد تقليداً للأبوين وتأثّراً بالمحيط،وقد تلعب الرغبات الخاصّة والمصالح الفرديّة دوراً في حصولها..وأكثر عقائد الناس قائمة على هذا الأساس.
وهنا يُطرح سؤال وهو أنّه: هل يجب أن يكون الإنسان في بناء عقائده متحرّراً من تعلّقاته القلبيّة؟
آثار التعلّقات القلبيّة
تحولُ التعلّقات القلبيّة دون النشاط الفكريّ وحريّة التفكير، وتؤدّي إلى التعصّب والجمود والسكون، وكمثال على ذلك عبادة الأوثان أو البقر..،فإنّ هذه النماذج لا تنمّ عن اعتقاد ناجم عن احترام حريّة اعتقاد الإنسان قد يُقال،وبناءً على قاعدة أنّ فكر الإنسان حرّ وعقله كذلك، أنّ عقيدته لا بدّ أن تكون حرّة، ولذا فالوثنيّ مثلاً حرّ في عقيدته. وهذه مغالطة موجودة في العالم حاليّاً، وهي بدعواها منح الحريّة للفكر فإنّها في الواقع تقيّد الفكر.
هناك مسلكان في ميزان إحترام إعتقاد الإنسان
الأوّل: أن نعدّ الإنسان حرّاً ومختاراً، فنحترم كلّ ما يعتقد به ولو كنّا نرفض ما اختاره،أو كنّا نعلم بأنّه كَذِبٌ وخرافة، بل حتّى لو ترتّب عليه مستلزمات باطلة وفاسدة.
الثاني: أن يكون إحترامنا له بتوجيهه نحو الرقيّ والتكامل والسعادة.فأيّ السبيلين أجدر بأن يُسلك؟
في الواقع إنّ ترك الإنسان يختار العقائد الفاسدة، كأن يختار الوثنيّ عبادة الوثن، هو تقييد لفكر الناس، واحترام هذا القيد هو عدم احترام لقابليّته الإنسانيّة ولاعتباره الإنسانيّ في مجال التفكير، في المقابل فإنّ المسلك الثاني هو الّذي ينهض بالإنسان ويوصله إلى رقيّه المنشود.
والنتيجة أنّه لا بدّ من فكّ هذا القيد ليكون فكرُه حرّاً،وعليه فمن الخطأ على الصعيد الإنسانيّ احترام المرتكز العقائديّ لشعب يريد تقييد الإنسان.
شواهد من سيرة الأنبياء”ع”
ممّا يشهد على ما ذكرنا ما نجده في سير الأنبياء (عليهم السلام)، فالنبيّ إبراهيم (عليه السلام) مثلاً قام بتحطيم أوثان قومه الّتي كانوا يعتقدون بها ويعبدونها وترك الوثن الكبير، فشكّل هذا الأمر صدمة لهم جعلتهم يرجعون إلى أنفسهم وفطرتهم ويتأمّلون في عقيدتهم،حيث إنّ هذه الأصنام غير قادرة على الدفاع عن أنفسها،وكبيرهم عاجز عن هذا التحطيم،”فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ”،ولذا فإنّ ما مقام به إبراهيم (عليه السلام) هو عمل إنسانيّ لأنّه حرّر فكرهم من قيد العقيدة الفاسدة.
وكذا النبيّ موسى (عليه السلام) فقد كان عمله إنسانيّاً في حرقه لعجل السامريّ:”لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمّ‏َ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمّ‏ِ نَسْفا”،
وإذا انتقلنا إلى البعثة المباركة للنبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنجد أنّه قد قام بمحاربة العقيدة الوثنيّة سنين طويلة كي يحرّر فكرهم، وتقدّم بذلك بهم نحو الرقيّ والتكامل،وفكّ قيودهم العقائديّة ووضع:”عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى