الرسول محمد “ص” .. أكبر نعم الله العذبة

أنعم الله على الأمة جمعاء، بنبي الرحمة محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” خاتم الأنبياء والمرسلين، ليكون شفيعنا يوم القيامة، ومنقذنا، من شرور الدنيا وما فيها، وكرّمه الله تعالى بحمل رسالة الاسلام ونشرها التي هي من أعظم الرسالات التي ننعم بخيرها وفضلها اليوم، هذه المهمة الشاقة التي جاهد الرسول محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” في نشرها.
الدِّين كان يتطور مع الإنسان ويتقدم معه في مراحله المختلفة، حيث بدأ بشكل بدائياً ثم تطور بما يتناسب مع إمكانيات الإنسان وتقدمه وتطوره العلمي والعقلي إلى أن صاروا كثيرين ودبَّت بينهم الخلافات وبدأت النزاعات وظهرت الشقاقات بين الأخوة في الآدمية والأشباه في الإنسانية، إلى أن صاروا أهلاً لتلقي الرسالة فأرسل إليهم رسوله نوح شيخ الأنبياء والمرسلين (عليه السلام)، إلا أنهم رفضوا رسالته وسخروا منه حتى أبادهم وجاء بنسل جديد ممَّن كانوا معه في السفينة لاسيما من أولاده الثلاثة (سام، وحام، ويافث) وأما كنعان فقد أهلكه الله وأغرقه بالموج الذي أهلك فيه البشر العصاة في ذلك الزمن.
وبدأ عصر جديد ومسيرة جديدة أكثر تقدماً وتطوراً بأبي الأنبياء والمرسلين بطل التوحيد إبراهيم الخليل (عليه السلام)، حيث ارتفعت نسبة الذكاء والتعقل في البشر وأصبحوا أهلاً لتنزل عليهم كتب وصحف السماء فتتالت صحف إبراهيم، وتوراة موسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى، وأكثرها كانت فيما يسمَّى في التاريخ ببني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وإخوة يوسف الصدِّيق (عليهم السلام)، ولكنهم كانوا بئس القوم لأنبيائهم ورسل الله فيهم حيث كانوا يقتلون سبعين نبياً من أنبيائهم بين الطلوعين (الفجر والشمس) ويذهبون إلى أعمالهم وكأنهم لم يفعلوا شيئا.
وهكذا ارتقت الإنسانية بأولئك العظماء من رسل السماء، وبلغت الإنسانية سن الوعي والرشد وأصبحت أهلاً لاستقبال الرسالة الإلهية الخاتمة والكتاب السماوي الجامع لكل الكتب والصحف السابقة عليه، وذلك على يدي خير الخلق طراً وأول خلق الله نوراً، وآخر رسل الله ظهوراً وبعثة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من خير سادات العرب أرومة، وذروتهم مكاناً ومكانة، لأنه ينتمي إلى شجرة الأنبياء الإبراهيمية من الفرع الإسماعيلي العربي من نسل عدنان.
وكانت بعثته في مكة المكرمة تلك المدينة القديمة التي فيها بيت الله الحرام الذي جدده ورفع جدرانه إبراهيم وولده إسماعيل ثم أذَّن للناس بالحج إلى بيت ربهم، فكانت مكة مهوى القلوب والأفئدة لنسل إسماعيل لما غرسه الله فيهم من محبة ومودة وكان سنامهم وسادتهم محمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، وأنزل الله كتابه الخاتم والجامع عليه في مدة رسالته (23 عاماً) مكيّها ومدنيها.
التاريخ يقول: بأن مكة المكرمة لم تكن أرض حضارة يوماً بل هي أرض قاحلة و وادٍ يابس لا زرع ولا ضرع فيه، بل هي أرض عبادة ومناسك لأن الله امتحن خلقه وعباده بالتعبد فيها برغم كل حرارتها وصعوبتها وقساوتها ليعلم المطيع الصادق من العاصي الكاذب، ولذا اجتمع فيها طغاة العرب وكبراؤهم عندما صنع لهم هاشم الخير رحلتي الشتاء والصيف وجعل منها مركزاً تجارياً للجزيرة العربية كلها وربطها بالهند عن طريق اليمن وبأوروبا عن طريق الشام، فنشأ فيها قوم كانوا متكبرين ومتجبرين وطغاة يقربون من الفراعنة ولذا ورد في الرواية: (أبو جهل فرعون هذه الأمة).
وحقاً وصدقاً كانت حالة العرب في تلك العصور من أبشع وأشنع العصور حيث كانوا في جاهلية وجهل مطبق، وكانوا يعيشون على القتل والقتال والغزو، والغزو المضاد فيما بينهم، فكانت حياتهم جحيماً لا يطاق، حيث يصفهم مَنْ كان بهم خبيراً وبشأنهم عليماً ألا وهو أمير المؤمنين الإمام علي “عليه السلام” حيث يقول عن حالة العرب وقريش قبيل بعثة الحبيب المصطفى (ص): (ِانَّ اَللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَأَمِيناً عَلَى اَلتَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ اَلْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ، وَفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمٍّ تَشْرَبُونَ اَلْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ اَلْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ؛ اَلْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَاَلْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ).
وفي كلمة أخرى لا تقل عن هذه الدُّرة العلوية يقول فيها أيضاً: (أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ، وَاِعْتِزَامٍ مِنَ اَلْفِتَنِ، وَاِنْتِشَارٍ مِنَ اَلْأُمُورِ، وَتَلَظٍّ مِنَ اَلْحُرُوبِ، وَاَلدُّنْيَا كَاسِفَةُ اَلنُّورِ، ظَاهِرَةُ اَلْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اِصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَاِغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ اَلْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ اَلرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا اَلْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا اَلْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا اَلْخَوْفُ وَدِثَارُهَا اَلسَّيْفُ).
وأما سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) فقد وصفتهم بلا أقل من ذلك في خطبتها الفدكية المشهورة حيث تقول عن حالهم وفضل رسول الله فيهم: (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنّارِ فَأَنْقَذَكُمْ، مُذْقَةَ اَلشَّارِبِ، وَنُهْزَةَ اَلطَّامِعِ، وَقُبْسَةَ اَلْعَجْلاَنِ، وَمُوَطَّأَ اَلْأَقْدَامِ، تَشْرَبُونَ اَلطَّرْقَ، وَتَقْتَاتُونَ اَلْقِدَّ، أَذِلَّةً خَاشِعِينَ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ اَلنّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَأَنْقَذَكُمُ اَللَّهُ بِرَسُولِهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ).
فشخص رسول الله (ص) كان من أكبر نعم الله على هذه الإنسانية المعذبة، ورسالته من أعظم المنن الإلهية عليهم، لأنها الرسالة التي أخرجتهم من ظلمات الجهل والجاهلية ورفعتهم إلى حيث بنوا الحضارة الإنسانية الراقية، لولا اختطافها من أولئك الأشقياء كصبيان النار الأموية والعباسية والعثمانية وغيرهم.



