مدرسة الإمام العسكري عليه السلام وأثرها على التشيع

أسس الامام الحسن العسكري (عليه السلام) مدرسة دينية وخطا لأتباعه بعد استشهاده، حيث كان لهم دربا للهداية الى طريق الصلاح، وبالفعل بانت آثاره خاصة بعد غيبة الامام الحجة عجل الله فرجه، حيث ظهر هذا بشكل واضح على عدد من الموالين، وايضا للتمهيد لولاية الامام المنتظر والحفاظ على الاتباع من الانحراف والانجرار وراء ملذات الحياة انذاك.
وأكمل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) الخط الذي أسّسه آباؤه الطاهرون وهو انشاء جماعة صالحة تمثل خط أهل البيت الفكري والعقائدي والأخلاقي والسلوكي وقد اهتمّ الإمامان محمّد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام) بشكل خاص بإعداد وتربية مجموعة من الرواة والفقهاء فتمثّلت فيهم مدرسة علمية استوفت في عهد الإمام العسكري (عليه السلام) كل متطلبات العلم من حيث المنهج والمصدر والمادة ممهدة به لعصر الغيبة الصغرى.
وقد أيّد الإمام العسكري (عليه السلام) جملة من الكتب الفقهية والاصول الروائية التي جمعت في عصره أو قبل عصره وأيّد اصحابها وشكر لهم مساعيهم وبذلك يكون قد أعطى للمدرسة الفقهية تركيزاً واهتماماً يشير إلى أنّ الخط الفقهائي هو الخط المستقبلي الذي يجب على القاعدة الشيعية أن تسير عليه.
وقد اتّسم عهد الأئمة من أبناء الرضا (عليه السلام) وهم ـ الجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) ـ باتّساع رقعة انتشار التشيّع ، وكثرة العلماء والدعاة الى مذهب أهل البيت ، واكتمال معالم وأبعاد مدرستهم الفقهية في المنهج والمادة معاً .
ووفّرت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ـ خلال قرنين ونصف قرن على الرغم من قساوة الظروف وافتتاح عدة جبهات للمعارضة مع الحكم القائم ـ كل متطلبات إحياء الشريعة الاسلامية وديمومتها واستمرارها حتى في عصر الغيبة، وهيّأت للمسلمين عامة ولشيعة أهل البيت خاصّة كل مقدّمات الاستقلال الفكري والسياسي والاقتصادي والثقافي وأعطتهم الزخم اللازم لاستمرار المواجهة مع الباطل الذي يترصّد الحق في كل زمان ومكان .
إن مرجعية العلماء وقيادتهم للشيعة بعد الغيبة الكبرى التي ابتدأت عام (329 هـ ) بوفاة الوكيل الرابع للإمام المهدي (عليه السلام) كانت تأسيساً حيويّاً من قبل الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وبأمر من الله ورسوله ، فهم الذين أمروا الشيعة بالرجوع إلى العلماء الفقهاء الذين تربّوا في مدرستهم الرسالية لأخذ معالم دينهم عنهم ، وهذا المفهوم قد أعطاه الإمام الصادق (عليه السلام) صبغته التشريعية بقوله (عليه السلام) : وقد استمرّ الأئمة (عليهم السلام) على هذا النهج وقاموا بتحقيق هذه المهمّة بتربية الفقهاء الاُمناء على المنهج العلمي السليم الذي رسموا معالمه وتفاصيله بالتدريج، وتواصلت جهودهم رغم كل الظروف العصيبة بعد عصر الإمام الصادق(عليه السلام) .
ووفقاً لذلك كان ما اتخذه الإمام العسكري (عليه السلام) من مواقف ايجابية بالنسبة للعلماء ورواة الحديث الثقاة المأمونين على حلال الله وحرامه وإرجاع شيعته اليهم يعتبر تمهيداً اساسيّاً لعصر الغيبة، وتأكيداً لفكرة المرجعية الشاملة الى جانب نظام الوكلاء الثقاة المأمونين من شيعته والذي كان من مهامّه إرجاع عامة الطائفة الى العلماء منهم .
كما كان احتجابه عن الشيعة واتخاذ المراسلات والتواقيع الخارجة عنه سبيلاً آخر للتمهيد أيضاً ـ كما عرفت ـ فقد جاء عنه (عليه السلام) في العَمْري وابنه محمد: أن “العمري وابنه ثقتان فما أدّيا إليك فعني يؤديان وما قالا فعني يقولان فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان”، وممّا يدل على أن الإمام العسكري (عليه السلام) كان يوجّه القواعد الشعبية للرجوع الى الفقهاء وتقليدهم وأخذ معالم دينهم عنهم.
وبهذه الخطوات أكمل الإمام العسكري (عليه السلام) الدور الموكل إليه والمناط به في هذه المرحلة المهمة من تأريخ الرسالة الاسلامية، فقد أنشأ مدرسة علمية لها الدور الأكبر في حفظ تراث أهل البيت الرسالي ومبادئ الإسلام أوّلاً، ومن ثم كان لها الأثر الكبير في نشر فكرة الغيبة وتهيئته الذهنية العامة لتقبّلها ثانياً، كما كانت لها مساهمة فعّالة في توجيه شيعة الإمام (عليه السلام) بالرجوع إلى الفقهاء الذين هم حصن الإسلام الواقي للمسلمين من الأعداء ثالثاً .



