ماذا نستفيد من ملايين الزائرين في أربعينية الإمام الحسين “ع”؟

محمد علي جواد تقي..
اعتقد أن الظروف الاقتصادية للبلد، والوضع المعيشي لعامة الناس، ليس بالسوء لدرجة اللجوء الى مناسبة دينية – جماهيرية مثل زيارة الأربعين لنحوّلها الى مشروع اقتصادي نكسب من خلاله الملايين أو المليارات.
ثمة أفكار ومقترحات ممن يحملون هموم التنمية الاقتصادية، ويعدون أنفسهم مسؤولين عن دفع العراق الى مصاف الدول المتقدمة؛ على الأقل، في جانب الاستثمار، إن عجز ان يكون منتجاً من الدرجة الاولى وحتى الثانية والثالثة، فأن تستقبل مدينة مثل كربلاء المقدسة نحو 22 مليون زائر خلال أيام قلائل لأداء زيارة الاربعين، هذا في القاموس الاقتصادي يمثل فرصة استثمارية مغرية لتحويل هذه الملايين من البشر الى مليارات من الدولارات، بتفعيل قطاعات النقل والاتصالات والفندقة والمواد الغذائية، وأمور استهلاكية أخرى.
ولكن ثمة رؤية أخرى موازية مختلفة تماماً تنظر الى هذه المناسبة على أنها ذات طابع معنوي أكثر مما هو طابع مادي، نعم؛ ينتعش قطاع النقل الخاص، وأسواق المواد الغذائية، والاتصالات والفندقة – بعض الشيء – في مثل هذه الزيارات المليونية، بيد أن المناسبة المتعلقة بشخص الإمام الحسين، وبقضيته، بتفاصيلها وأبعادها، من الصعب تأطيرها برؤية اقتصادية ضيقة يشكل المال إطارها الدائري.
وعلينا الالتفات الى مسألة مهمة للغاية، وهي محاولة الإعلاميين والمثقفين والمفكرين القادمين من البلاد غير الإسلامية، للوصول الى تفسير منطقي وعلمي لظاهرة الزيارة الأربعينية، وهؤلاء – كما اعتقد – تيقنوا أن الجموع الزاحفة من مناطق بعيدة عن كربلاء، يحملون أفكاراً غير ما يعرفونه عن رغبات السياح للمناطق الجميلة في العالم، فهؤلاء ينفقون آلاف الدولارات للوصول الى مناطق أثرية نادرة، فيلمسون الاهرامات، وأعمدة المعابد في مصر، أو يتطلعون بانبهار الى برج بيزا المائل في ايطاليا، وايضاً؛ يُمتعون النظر الى شلالات نياغارا في كندا، وجبال الألب في سويسرا، وشواطئ البحر الابيض المتوسط، كلها من أجل خلق حالة من الانبساط النفسي، وطرد آثار الكآبة والضيق من أنفسهم، أما في طريق المشي الى كربلاء لمسافات بعيدة، يلحظ المراقبون الاجانب خلال مسايرتهم للزائرين، إنفاق المال ايضاً، لتغطية تكاليف السفر، بيد أن المفارقة العجيبة في الانفاق الهائل والمذهل على تقديم خدمات السفر والاقامة بمختلف أشكالها للزائرين الآخرين بملء إرادتهم، كل هذا، وهم يحملون في نفوسهم الحزن والأسى واللوعة، فكيف يمكن تفسير هذه المشاعر؟.
عندما ندرك حقيقة هذه المشاعر، ومنابعها، بإمكاننا الحديث عن استثمار هذه الزيارة المليونية و”الاستفادة” من وجود ملايين الزائرين في مدينة كربلاء المقدسة، لأن فلسفة الاستثمار ومفهوم الفائدة ستختلف تماماً عمّا نعرفه في عالم التجارة والاقتصاد، فثمة علاقة عضوية بين الزائر ومن يقدم له مختلف أشكال الخدمة بشكل مجاني، فذاك يأتي ليقضي حاجة معنوية ملحّة في نفسه، ويشترك معه في نفس الهمّ؛ المنفق والموكب الخدمي على طريق المشاة، فالاثنان يشتركان في الحب والولاء للإمام الحسين، ولأداء زيارة الاربعين تحديداً، كما ينسحب الأمر على سائر الزيارات المليونية المتعلقة بالإمام الحسين، عليه السلام، مع فارق الأهمية والأولوية في الروايات عن الأئمة المعصومين، عليهم السلام.
أول خطوة ناجحة لاستثمار هذه الزيارة المليونية؛ عدم المساس بالعلاقة بين الزائر ومن يخدمه وينفق عليه، ثم التفكير بالاستثمار في المرافق المحيطة مثل؛ النقل، والبيئة، والسكن، وغيرها، ويكون محور الاستثمار صاحب الموكب الخدمي، والمتبرع بالمواد الغذائية، والمفروشات، والسكن، والأواني ذات الاستخدام لمرة واحدة (السفري)، بما يعني؛ أن الاستثمار والتفكير بالأرباح لن يكون على حساب زائر الإمام الحسين، وإنما يكون على حساب المتبرع لأنه مهيأ نفسياً على الانفاق في سبيل قضية مقدسة يطلب من خلالها أجرا معنويا، ولن يضير الزائر دفع مبالغ معينة غير مرتفعة على السكن والنقل والاتصالات على وجه التحديد، فهو الآخر موطن نفسه لبذل المال للوصول الى مرقد الإمام الحسين وأداء مناسك هذه الزيارة، لكن المهم ألا يشعر أنه يتم استغلاله تجارياً من قبل مشاريع استثمارية، كما لو أنه في مصيف أو في مدينة سياحية.
هذا النوع من الاستثمار من شأنه ان يحقق مسألة جوهرية وأساس بالنسبة للزيارات المليونية المتعلقة بالإمام الحسين، وهي إبعاد مفهوم الاستغلال المالي عن هذه الزيارة، إنما يكون لدينا نوع من التخادم بين المستثمر والمُنفق والمستهلك، وأيضاً؛ من يعملون في قطاعات النقل والاتصالات والسكن وغيرها، فالجميع سينتفعون مادياً بشكل مقبول دون أن يستشعر أحد بالغبن أو المساس بمشاعره الدينية.
ولن يكون ثمة حاجة لأن يطلب المتبرع من التاجر التلطّف معه في أسعار ما يحتاجه من المواد الغذائية والانشائية وغيرها مما يحتاجه الزائر، بل التلطّف والتعاطف سيكون حاضراً بالأساس في عقود الاستثمار بين الطرفين، فيكون الشراء بسعر أقل مع كمية أكبر، وبذلك تكون الحركة الانتاجية أكبر، حتى إذا كانت المواد مستوردة من الخارج، فان الجهات المنتجة ستكون مضطرة لمواكبة الحالة الجديدة في العراق، ومحاولة التسامح في الأسعار مقابل التسويق المضاعف.
إن فكرة الاستثمار في زيارة الأربعين من شأنها ان تكون نموذجاً فريداً من نوعه في نجاحه الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تعزز الحالة الايمانية، وترفع من المشاعر الايجابية بشكل عام لدى الزائرين القادمين، ولدى أهل المدن المستضيفين، بل وعموم الشعب العراقي الذي سيجد الفرصة أمامه رائعة للمشاركة في هذه المناسبة العظيمة، ويمكن تكرار التجربة على سائر الزيارات المليونية في جميع المراقد المقدسة في العراق، وفي أوقات مختلفة من العام.



