قضية الإمام الحسين .. منبع ثرٌ لربط الماضي بالحاضر في الأدب العربي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
حفل التأريخ العربي بالعديد من قصائد المديح والتمجيد لموقف الإمام الحسين عليه السلام في واقعة الطف الاليمة لكونه أفضل مَنْ جَسَّدَ قيم الوفاء والتضحية في سبيل الحق ومبادئ الدين الاسلامي ، فمنذ عام 61هـ بدأ تاريخ الحزن والشهادة، تاريخ كتبته الدماء، قصة عهود طويلة من مقاومة الطغيان، ولكن بألم واحد، فمنذ خمسة عشر قرناً بدأت مذبحة كربلاء عام 61هـ وانتهت في نفس المكان وهو العراق حيث لا يزال الدم نفسه يسقي رمال الصحراء واستمر بسقي تلك الرمال في الكاظمية والنجف وفي الحلة وفي البصرة وفي كل شبر من ارض العراق ولا غرابة في ذلك كونَ الامام الحسين منبعا ثرًّا لربط الماضي بالحاضر في الأدب العربي.
لقد وجد المبدعون العرب في قضية الإمام المفدى متنفساً لدواخلهم المشحونة بالحب والندم وكذلك الحزن والأسف على ما أصاب الحسين وأهل بيته عليهم السلام من الآم في واقعة كربلاء… غير ان المعالجات المعاصرة للادباء والشعراء لمأساة كربلاء جاءت بأساليب فنية جديدة، وصاغت نماذج أدبية رفيعة، تنضح بالجرح المدمى والإثم العميق المتجذر في الوجدان، مستلهمة معاني عاشوراء في الثورة والشهادة.
فقد أصبحت كربلاء عند الدكتور عبد العزيز المقالح احد اُدباء اليمن رمزاً لعصر ذهبي مضى ومدينة فاضلة مفقودة بقي الشعراء يحلمون بها ويتغنون بأمجادها.فكربلاء هي رمز للتحدي الذي ينتصر على الباطل فيها، لأن الخيانة ترقى بالذم على الحق، والمطامع على المبادئ. كما أن كربلاء هي الوطن الذي يحلم به، وطن لا غدر فيه ولاخيانة ولا أطماع.. فيقول:
نحن من كربلاء التي لاتخون
ومن كربلاء التي لاتخون ولدنا،
ومن دم الأشجار خرجت للظهيرة أسماؤنا
منذ مــــوت الحسين
مدينتنا لا تصدر غير النجوم
ولاتصطفي غير رأس تتوجه
بالنهــــار الشـــهادة
تغسله بالدماء العيون الجريحة
كما تصبح الدماء التي سالت في كربلاء رمزاً للحق ووساماً فوق الرؤوس، وتضحية لامفر منها. فالخير لاينتصر بالكلمات فقط وإنما في الكفاح والدماء:ـ
والموت في الشعب أروع ما يكتب الشعراء، نوافذ أكواخهم، تتألق بالموت والورد، تثمر بالخبز والدم، رأس الحسين غدا وردة في الحدائق، انشودة صار للمتعبين، ونهراً ونافذة للمطر
اما الشاعر المصري عبد المعطي حجازي فقد جعل من كربلاء رمزاً للوحدة، وحدة الإنسان ووحدة المصير وكذلك وحدة الامة العربية التي كادت ان تتحقق، في الستينيات من القرن الماضي، لولا انها أُجهضت.
في قصيدته (عودة فبراير) يقول:
كأنني سمعت صوتاً كالبكاء
هذا الحسين وحدة في كربلاء
مازال وحـــده يقاتــل
مُعفّر الوجـه يريدُ كوب ماء
والأمويون عـلى النهر القريب
كأنني أرى دمشق بعد ليلة الغياب
بيوتها مظلمة وسجنها العالي فضاء
الليل ليس الليل، والعقم في كأس الشراب
والكلمات مثقلات بالـــذنوب.
في الاطار ذاته وصف الشاعر الفلسطيني “تميم البرغوثي” واقعة الطف، مجسدًا بذلك حال العراق بحال الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء، وهي مقطع من قصيدة طويلة أسماها ” مقام عراق “، التي كتبها بين نيسان 2003 و آب 2004، إذ وصف فيها عدة حقب زمنية مر بها العراق، واختتمها بمقطع رائع واصفًا فيه واقعة كربلاء من جهة و وضع العراق في الوقت الذي كتب فيه القصيدة (الغزو الأمريكي للعراق) من جهة أخرى، وايضاً من الأبيات الجميلة التي تلاها في المقطع الختامي :
أقولُ لدمعةٍ بالعينِ حارتْ عليكِ العارُ ما لكِ لم تُراقي
إذا ما كُنت عالمةً فقولي ألا كم كربلاءً بالعراقِ
و أنشدها أيضا بالدارجة العراقية قائلا :
هَوَاكُم سَار مَعْ دَمَّي بِاْلِعْرَاقْ.. نَخِلْ سَارِحْ وَاْكُو مِنْجَلْ بِاْلِعْرَاقْ
أَلا كَمْ كَرْبَلا صَارَتْ بِاْلِعْرَاق.. وَكَمِّ حْسِين دَاسَتْ خِيل أُمَيَّةْ
وهناك عدد آخر من الشعراء الذين استلهموا قصائدهم من نبع كربلاء. فقد كتب (أحمد دحبور) (العودة إلى كربلاء) وكتب بدر شاكر السياب (الدمعة الخرساء) ونزار قباني (شمس كربلاء) ومحمود درويش وغيرهم كثير.



