السيدة رقية “عليها السلام”.. براءة الطفولة المنحورة على واقعة الطف

في ذكرى استشهادها
كانت السيدة رقية من أحب الخلق الى أبيها الإمام الحسين “عليه السلام” والتي فارقت الحياة وهي تحتضن رأسه الشريف عندما احضره يزيد “لعنة الله عليه” اليها بعدما أرادت رؤيته، فلم تتحمل شدة المنظر والظلم الذي لحق بالإمام الحسين “عليه السلام”، وماتت وهي تبكي على فقدان أبيها وهول المصيبة.
وحضرت السيدة رقية “عليها السلام” واقعة كربلاء، وهي بنت ثلاث سنين، ورأت بأُمّ عينيها، الفاجعة الكبرى والمأساة العظمى، لما حلّ بأبيها الإمام الحسين “عليه السلام” وأهل بيته وأصحابه من القتل، ثمّ أُخذت أسيرة مع أُسارى أهل البيت (عليهم السلام) إلى الكوفة، ومن ثمّ إلى الشام.
وفي الشام أمر اللعين يزيد، أن تُسكن الأُسارى في خربة من خربات الشام، وفي ليلة من الليالي قامت السيّدة رقية فزعة من نومها وقالت: أين أبي الحسين؟ فإنّي رأيته الساعة في المنام مضطرباً شديداً، فلمّا سمعن النساء بكين وبكى معهنّ سائر الأطفال، وارتفع العويل والبكاء.
فانتبه يزيد (لعنه الله) من نومه وقال: ما الخبر؟ فأخبروه بالواقعة، فأمر أن يذهبوا إليها برأس أبيها، فجاؤوا بالرأس الشريف إليها مغطّىً بمنديل، فوضِع بين يديها، فلمّا كشفت الغطاء رأت الرأس الشريف نادت: «يا أبتاه مَن الذي خضّبك بدمائك؟ يا أبتاه مَن الذي قطع وريدك؟ يا أبتاه مَن الذي أيتمني على صغر سنّي؟ يا أبتاه مَن بقي بعدك نرجوه؟ يا أبتاه مَن لليتيمة حتّى تكبر»؟.
ثمّ إنّها وضعت فمها على فمه الشريف، وبكت بكاءً شديداً حتّى غشي عليها، فلمّا حرّكوها وجدوها قد فارقت روحها الحياة، فعلى البكاء والنحيب، واستجدّ العزاء، فلم يُرَ ذلك اليوم إلّا باكٍ وباكية.
قصة شهادة يتيمة الحسين (عليه السلام) رقية في الخربة بدمشق تؤلم كل ذي قلب حنون، وكل من يحمل المعاني السامية الإنسانية، ويستطيع الزائر لمقامها المبارك أن يحسّ بمظلومية هذه اليتيمة وما جرى عليها وعلى أهل بيتها (عليهم السلام) بمجرّد أن يدخل مقامها الشريف خاشعاً متواضعاً، فسرعان ما ينكسر قلبه ويجري دمعه على خدّيه، إنها المظلومة التي تحرّك الضمائر الحية وتهزّ الوجدان من الأعماق وتجعل الإنسان ينحاز إليهم ويلعن ظالميهم وغاصبي حقوقهم.
وتعجز الكلمات عن وصف مأساة الشهيدة السيدة رقية بنت الإمام الحسين “عليهما السلام” التي تحولت الى صوت آخر للحسين “عليه السلام” الى دم آخر للحسين “عليه السلام” وديمومته طفلة لأهل البيت كانت كالحسين “عليه السلام” في مظلوميتها بل هي الحسين “عليه السلام” في قالب طفلة.
حبها “عليها السلام” لأبيها الحسين “عليه السلام” وتعلقها به يذكرنا بحب سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء “عليها السلام” بنت محمد “صلى الله عليه وآله” بأبيها، بكاؤها يذكرنا ببكاء الزهراء بعد وفاة أبيها، مظلوميتها تذكرنا بمظلومية الزهراء “عليها السلام” ورحيلها الى الرفيق الأعلى يذكرنا برحيل الزهراء “عليها السلام”، وفي جملة واحدة كل شيء فيها يذكرنا بفلذة كبد الرسول الأكرم “صلى الله عليه وآله” كما سيأتي على الرغم من أن التاريخ لا يذكر لنا من أخبارها الكثير سوى قليل يمكن منه الاستشفاف عظمة تلك الطفلة برغم سنيها الخمس.



