اراء

 دقائق حلم ورسالة عمر كامل

بقلم: منهل عبد الأمير المرشدي..
الموت حقيقة نعيشها رغماً عنّا، وخارج إرادتنا، ويكرهها أغلبنا ان لم يكن يكرهها الجميع، هي كالولادة أمر محتوم بإرادة الله، لكنه النهاية ولابدَّ ان يموت كل حي في الكون، وقد جاء في الكتاب الكريم قوله تعالى (كلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ).
وفي رواية تجمع بين الجد والطرافة، يقال، إن رجلاً مؤمناً ملتزماً كان غافياً في غرفة مكتبه بعد ان اجهدته قراءة القرآن والصلاة، انتبه على صوت من يطرق على الباب فقام وفتح الباب، وإذا به يرى فتى ملائكيا طويل القامة، قال له: السلام عليك أيها العبد المؤمن، فرد عليه السلام وقد عرف، ان الزائر هو ملك الموت فرحب به ودعاه للجلوس إلا انه رفض، وقال له، أنا ما جئتك اليوم زائراً بل قابضا. اصفر لون الرجل وبدأ قلبه ينبض بسرعة وتراءت له دنياه التي عاشها طوال خمس وسبعين سنة مضت وكأنها في شريط فيديو سريع تمرُّ أمام عينيه لم يتجاوز الدقيقة الواحدة. حاول ان يتمالك نفسه وقال لملك الموت، إنه لا اعتراض على أمر الله، ولكن ريقي نشف وأنا بحاجة الى ان أشرب قليلا من الماء فاسمح لي ان أعود مترا واحدا لذلك القدح لأشرب الماء، فقال له، لا يمكن ذلك فأجلك محسوم وأنت عطشان وليس لك من الدنيا بعد الساعة قطرة ماء. قال كما تريد ولكن اطلب منك فقط أن انظر لأبنائي وبناتي في الغرفة المجاورة. أجابه مكتوب عليك ان تفارق الدنيا ولا تراهم. قال له وزوجتي فقط ولو انظر لها ثانية واحدة. هز رأسه ملك الموت بالنفي والرفض. دمعت عيون الرجل المؤمن وقال له لكنني لم أكتب حتى وصيتي فأعطني مهلة كي اكتب الوصية. جاءه الرد بالرفض أيضا. احتار الرجل فماذا يقول فتذّكر الأمانات التي لديه وقال امهلني دقيقة واحدة لأفتح الخزنة وأخرج امانات الناس عندي وقائمة ديوني. كان ملك الموت حازما صارما رافضا لكل ما يطلبه صاحبنا الذي تيبست قدماه وخارت قواه وأخذته رجفة الخوف فرفع عينيه الى ملك الموت وقال، اقسم عليك بالله وبحق عبادتي وصومي وحجتي وصلاتي، ان لا تقبض روحي حتى أصلي ركعتين استغفاراً لله عز وجل. هنا استحى ملك الموت وأطبق جناحيه وكأنه يخاطب ربه فكانت المفاجأة الكبرى بالموافقة على ان يؤجل قبض الروح الى ما بعد صلاة الرجل للركعتين. عادت الدماء لعروق الرجل وطار فرحا فأعاد القسم على ملك الموت ان يؤمنه على حياته حتى ينهي صلاته فقال له نعم لك ذلك وأطمأن فهذا وعد الله، والله لا يخلف وعده. المفاجأة الأكبر ان الرجل المؤمن انقلب رأسا على عقب وقال.. هيهات هيهات ان كنت سأصلي بعد اليوم. حاول ملك الموت اقناعه ان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويصلي الركعتين ولكن من دون جدوى. وتنتهي الحكاية بأن ملك الموت بعد ان يئس من هذا الرجل سحبه من رقبته بقوة وإذا به يقفز من سريره ليصحو من دقائق حلم كالكابوس لكنه اختصر مسيرته الخاتمة التي لابدّ منها للحياة.
أخيراً وليس آخراً نقول، إن حكايتنا لمن نسوا الله فأنساهم أنفسهم وباعوا أنفسهم لشهوات الدنيا، فسرقوا وظلموا وخانوا الأمانات وباعوا الأوطان ان الموت مصيرهم شاءوا أم ابوا ولم تنجيهم قصور شيدوها من أموال السحت الحرام واحاطوها بالحمايات والأسوار حيثما كانت في الصحاري أم في الغابات أم على الشطآن. حيثما كانوا ومن يكونوا فمصيرهم قطعة قماش ابيض لا تتجاوز المترين وحفرة في تراب الأرض وديدان تعتاش من أجسادهم فليتعظوا بقول الله تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) ويا ليتنا نتعظ بالقول الحكيم.. “قبورنا تُبنى وما تبنا .. ويا ليتنا تُبنا قبل أن تُبنى” والسلام لمن يرد السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى