كاظم حيدر .. يرسم لوحات من سحر بغداد ديكورا على المسارح

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد د. عزيز جبر الساعدي أن الفنان التشكيلي كاظم حيدر كان يرسم لوحات من سحر بغداد ديكورا على المسارح وهوبحق رائد السينوغرافيا في العراق.
وقال الساعدي في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي “:دأب نقاد المسرح ان يكتبوا دائما عن المخرج والممثل والنص دون الاكتراث لمكونات العرض الاخرى والتي تكاد تكون اساسية ولها فعلها القوي المؤثر في تجسيد الحالة الابداعية في العرض المسرحي وهذا ما اكده الفنان الراحل كاظم حيدر في معظم تصاميم اعماله فهو يصنع وجوده في النص. مما يضطر المخرج احيانا ان يتناغم مع ما ينجزه هذا الفنان ,وخصوصا في المجال التشكيلي .
وأضاف: قادتني الصدفة ان التقيه في فرقة المسرح الحديث, والفرقة القومية للتمثيل,لأعرفه عن كثب, وهومصمم مسرحي وليس تشكيليا , والحقيقة كنت متفأجئا بان الراحل كاظم حيدر له دراية ومعرفة عالية المستوى في طرازية ومكانية البيئة المسرحية ,ولديه القدرة الفائقة في دراسة النص المسرحي ليستنبط من خلال القراءة المتأنية له ,مكانية خلابة وبادوات بسيطة لخلق ديكور مسرحي ,يساعد المخرج في التكوين المسرحي وحركة الممثلين ,,وكم كان وديعا مع المخرجين أمثال إبراهيم جلال ,والفنان سامي عبد الحميد ,وقاسم محمد,ويختلف معهم كونه صاحب رؤية وفلسفة في قراءة النص,,ولكنه بمودة عالية يحاول إقناعهم بوجهة نظره ,,ولذلك أستمر التعامل معه في الكثير من الاعمال المسرحية الراقية.
وتابع : أن يأخذ النص ويدرسه دراسة مستفيضة لكي تتكون لديه الصورة الكاملة بكل جوانبها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية وكذلك التراثية والفولكلورية ثم يبحث ميدانيا لفلسفة المكان في مساحة العرض المسرحي بتشكيل هندسي دقيق يتناسب مع حجم العرض وطبيعتة واحيانا يلجأ الى اقصى عمق المسرح بل ياخذ فضاء خشبة المسرح ولا ابالغ حين اقول انه يأخذ حتى فضاء قاعة العرض كما فعل في مسرحية (هاملت عربيا) مماجعل المشاهدين وكأنهم جلسوا في خيمة كبيرة وسط الصحراء.. استغلال حتى ممرات القاعة لتشكيل لوحة تتناسب مع فكر وفلسفة العرض واهدافه. ربما هذا الذي فعله يتناسب مع بناية مسرح بغداد.. لكنه سيكون له حديث اخر في مسرح اكبر وتقنيات اكثر حداثة.
وأوضح :ان هناك ميزة اخرى لهذا الفنان الكبير بأنه متابع ذكي في العمل منذ تمارينه الاولى لاسيما بعد ان تتوضح له الخطوط الاساسية في العمل.. يبدل هنا ويغير هناك .خصوصا باستخدامه خامات مبتكره متنوعة من الخشب والحديد والفلين والقماش وحتى الجلود. كما انه يتدخل في شكل الاكسسوارات وتوزيع الانارة ودرجتها وحجمها. يعتبرها مكملا لما عمل في توزيع الكتل وتوازن اللوحة وهذا يسمى اليوم بالسينوغرافيا… مهمة اخرى لديه وهي بيئة المكان فهو زبون دائم في اسواق بغداد التراثية للبحث عن رموز شعبية تعينه في اكتمال الصورة. خير دليل في ذلك مسرحية (الخان). استخدم فقط مادة (الجنفاص والتنك)وعندما نرى ديكور هذه المسرحية يوحي لنا بقدم المكان الى درجة ان المتلقي يشم رائحة رطوبة المكان.
وواصل: اما تجربته في (مسرحية بغداد الازل )فهي مختلفة نوعا لاسيما عندما عرضت في اربع مدن جزائرية متباعدة. حمل في الطائرة كل ادوات العمل مهما كبرت او صغرت من بغداد خوفا من ان يحتاج شيئا من السوق المحلية ولايجده.. فعندما وصلنا مدينة قسنطينة بساعة متاخرة من الليل تفاجأنا بجدول العرض غدا مساءً وعندما ذهبنا الى المسرح فاجأنا مسؤول القاعة بمنعنا بأن لاندق مسمارا واحدا على الخشبة.. مع ذلك فالحل كان حاضرا عند كاظم حيدر.. فقال.. لابأس لاتقلقوا سنعلق الديكور بالحبال.. وبدأنا العمل الكبير والمضني وساعة العرض تقترب.. يطلب مني لونا معينا وممزوجا بآخر وبدرجة معينة.. . انجز العمل قبيل العرض بدقائق واذكر ان الستارة افتتحت والاصباغ لم تجف بعد وكان ديكورا مبهرا مختلفا حتى عن ديكور مسرح بغداد الاصلي.. وهكذا بقية عروض المحافظات الاخرى ديكورا مختلفا تماما بمعنى انه كان يرسم لوحات عملاقة تحكي عن بغداد التاريخ وسحر الشرق تتناغم مع ايقاع وفكر العرض. الى درجة ان اقول وبدون مبالغة هو ان شكل القمر ولونه في بغداد الازل يختلف في اربعة عروض لمسرحية واحدة.
وختم : ان الراحل كاظم حيدر عُدّ إحدى العلامات الفارقة في تأريخ الثقافة العراقية، فقد تخصّص بالمسرح، والنقد الفني، والفن التشكيلي، ويمكن عدّهُ رائداً في مجال التجريد تشكيلياً وسينوغرافياً وقد قدّم الراحل خطاباً جمالياً وبصرياً منسجماً مع الطروحات السياسية والاجتماعية آنذاك، وكان الراحل كاظم حيدر ، يتبع نظام الإشارة الى الواقع خلال فنونه، إضافة إلى معالجة الواقع وهوبحق رائد السينوغرافيا.



