اخر الأخبارثقافية

لوحات التشكيلي فائق العبودي.. ألوان قادمة من اعماق الحضارات العراقية

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

تعود بنا لوحات الفنان التشكيلي فائق العبودي بالزمن إلى الوراء، إلى مهد حضارة بلاد ما بين النهرين، والحضارة السومريَّة، إلى جانب الفن البابلي، إذ تستحضر لوحاته، عالماً قديماً منسيَّاً، لكنّه أساسي في الوقت نفسه، لأنّه يمثل بداية الكتابة، التي يرجع تاريخها إلى عام 3300 قبل الميلاد، إنَّه رسام متمرّس، تربطه علاقة وثيقة بأصوله، ويبدو ذلك واضحاً في عمق جميع أعماله.

يقول العبودي في تصريح خصَّ به “المراقب العراقي”: “أنا فنان من المشرق، من أرض الشمس والنور والألوان، العراق بلدي، وهو حكاية أجدادي، ومهد الحضارات، وموطن قصص حكايات ألف ليلة وليلة”. هكذا يُعرّف الفنان، نفسه، والذي وجد في مرتفعات لوزان بلداً حاضناً منذ أكثر من عشرين عامًا ولم ينحرف عمله عن جذوره التاريخيّة أبدًا. حتى عندما كان طفلاً، كان معجباً بالتماثيل الطينيّة والحجريّة التي تزيّن المتحف العراقي. ظلت هذه التماثيل مصدر إلهام كبيراً في جميع أعماله. بعد دراسة الفن والتصميم والتصوير والخط العربي، اتّجه نحو الرسم وهو كما يقول، “تبعث فيه رائحة الألوان البهجة، فتسحره، بينما هو يبحث دائمًا عن خامات جديدة لأعماله، كالقماش، والسجاد، والورق، والخشب”.

وقد كشف الفنان فائق العبودي عن جزءٍ صغيرٍ من أعماله الإبداعيَّة. “أحب بشكل خاص العمل على الخامات الخشبيَّة، لأنَّها مطاوعة، وتتوافق مع العديد من التقنيات، وتجسد السنوات الطوال التي قضتها الشجرة لتصبح مهيبة. أشعر وكأنّه يتم إنقاذها من الموت من خلال إعطائها حياة ثانية، بحيث أغرس بها جزءاً من روحي، وهذا يعطي معنى ملموساً وترسيخاً تاريخياً لرسوماتي. إنّني شخص قلق نوعا ما بطبعي ومحب للاستطلاع بشكل كبير، مما يدفعني باستمرار للبحث عن مواد وتقنيات جديدة للرسم واكتشافها وتجربتها. تقنياتي الخاصة بالعمل، جعلت أعمالي فريدة وذات طابع خاص”.

داخل إطار اللوحات المُعتّقة، أقوم بوضع العديد من طبقات الطلاء الواحدة فوق الأخرى. تكون ألوان اللوحة تارة ساطعة وجريئة، وتارة قاتمة وعادة ما أقسم السطح إلى عدة أجزاء، أقوم بعدها بإدخال رموز مجرّدة عليها. يمكن أن تكون هذه الرموز علامات بدائيّة من لغات منسيّة، يتم تنقيحها وتصميمها بطريقة هيروغليفيّة، كما يضيف: لا توجد رسالة دينيَّة في أعمالي.

ربما فيها جو روحاني وهو انعكاسٌ للحالة التي أعيشها قبل الرسم، والتي تقترب كثيراً من حالة التصوّف، ما يهمني أن يتم العمل، وأن يكون مرضياً بالنسبة إليَّ أولاً، ليكون قادرًا على إنشاء الجسور، وربط العوالم القديمة بعالم اليوم من خلال الرموز المتأصلة في هويتي، هذا ما أود أن أنقله إلى كل من ينظر إلى لوحاتي ليجد على سطحها دعوة للسفر إلى الماضي، إلى الحضارات القديمة، إلى الأجداد السومريين والبابليين، دعوة هي في أصلها دعوة للاكتشاف الجميل.

من جهته، يقول الناقد د. محمد آيت لعميم: ينتمي الفنان العبودي بالوراثة لهذه الجغرافيا الممتدة في الزمن، وإلى كل الترسبات الراسية في ذاكرة المكان، فهو الجنوبي الأصل، البغدادي المولد، الذي فتح عينيه في بيئة تحتفي بالفن، وتوليه أهمية كبرى، حيث يتميز العراق الحديث بالاعتناء بالرسم، والتشكيل كجزء من التكوين في المدارس، ناهيك عن أن المدرسة العراقية في الفن رائدة بأسمائها المشهورة، التي بصمت المشهد العربي بأسلوبها المتفرد الأصيل، وبفتوحاتها التجديدية والتجريبية، في هذه الأجواء المشحونة بالإبداع، والريادة في مجالات الإبداع المتنوعة، نشأ الفنان فائق العبودي، وتشربت ذاكرته البصرية بأساليب عديدة لفنانين اجترحوا طرقاً متنوعة في الإبداع الفني والتشكيلي، إضافة إلى هذه المرجعية الفنية القوية، هناك مرجعيته البصرية التي أتاحها المعمار العراقي، بكل تنويعاته وتشكيلاته من خلال المراقد والأضرحة، وكل زينتها وزخارفها، والأبواب العتيقة والقباب، فهذه المكونات المعمارية للمدينة القديمة تترسخ في الذاكرة، وتفعل فعلها في الاختيارات الجمالية للفنان، فيستدعيها بطريقة لا شعورية عند ابتكار صور تجريدية لها، بغية خلق عالمه الموازي لعالم الأشياء المعروضة في الواقع.

وأضاف: إضافة لكل هذه العناصر المرجعية، هناك المتحف العراقي في بغداد الذي يضم عصارة الحضارات المتعاقبة، فوحده المتحف يولد لدى الفنان طاقة هائلة للابتكار، والاستلهام، والتحاور الجمالي، والاستزادة من التدفق الروحي، والإشباع البصري، وتقوية الانتماء، والإحساس بالسند التاريخي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى