اراء

منظومات الدفاع وصلت.. هل تحدث انقلاباً في معادلة السماء السورية ؟

 

بقلم/ كمال خلف..

ليس سراً ان ايران تدعم الجيش السوري بالسلاح، ومررت السلاح الى المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، وبذلت جهداً بالتعاون مع الجانب السوري لإعادة ترميم القدرات الاستراتيجية للجيش السوري التي ساهمت الحرب خلال السنوات الماضية في تآكلها، وليس خافيا ان إسرائيل استغلت اندلاع الفوضى في سورية عام 2011 واستطاعت عبر اطراف ومجموعات محلية داخل سوريا، تخريب واستهداف العديد من القدرات الحيوية مثل الرادارات، والقدرات الدفاعية الجوية بما فيها تصفية عدد من الطيارين السوريين المدربين ومنذ الأشهر الأولى لاندلاع الأحداث في سوريا.

وحاولت إسرائيل من خلال الغارات المتكررة ولسنوات عرقلة جهود إعادة القدرات الاستراتيجية ومنظومة الردع السورية. العدوان الإسرائيلي الأخير في دمشق كان الأخطر لأنه استهدف احياء سكنية وأسفر عن ضحايا مدنيين، وشكل تحديا كبيرا لدمشق وحلفائها، ما أطلق التفكير الجدي والعملي لصنع معادلة جديدة وتغيير قواعد الاشتباك مع إسرائيل في السماء السورية.

وبرغم ان التعاون العسكري والدعم الإيراني للجيش السوري قائم منذ زمن، جاء اعلان التلفزيون الرسمي الإيراني عن قرار طهران ارسال منظومات دفاع جوي، لافتا لجهة العلانية على غير المعتاد. وهذا له دلالته السياسية والعسكرية. ولغته التي تؤشر الى ان ثمة نوايا تغيير في المشهد برمته. ورسالة لتل أبيب ان لعبة العبث بالسماء السورية انتهت واستعدوا لدفع الثمن. عدا عن ان الإعلان بحد ذاته وحسب مصادر إيرانية متابعة يعني ان المنظومات وصلت بالفعل الى سورية وباتت على الأراضي السورية، وربما تكون باتت جاهزة للعمل.

 

وتشمل المنظومات الإيرانية للدفاع الجوي شبكة متكاملة تغطي الأراضي السورية تتضمن صواريخ ارض جو وصارخ “صياد” ورادارات وقنابل وصواريخ دقيقة موجهة ضمن نظام الدفاع الإيراني المطور خرداد 15.

ثمة تغيرات عدة دفعت نحو النهج الجديد، أولها تخلي الروس عن تحفظاتهم التي حكمتها التفاهمات الروسية الإسرائيلية، فالعلاقة بين موسكو وتل ابيب آخذة في التدهور على خلفية تخلي تل ابيب عن موقف الحياد من الحرب في أوكرانيا، واعلانها عن نوايا تزويد كييف بمنظومات دفاع جوي “القبة الحديدة” واسلحة، إضافة الى تصويت تل ابيب ضد روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما ترجعه موسكو الى نفوذ “اللوبي اليهودي الاوكراني” الذي تشكل من اثرياء يهود غادروا روسيا وأوكرانيا خلال الحرب وبات لهم تأثير على مواقع القرار في إسرائيل، ويسهمون في تأزيم العلاقات بين تل ابيب وموسكو. وبالتوازي يرتفع منسوب العلاقة بين موسكو وطهران بشكل غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين، وتصل الى مرحلة التعاون العسكري وتمكين إيران من امتلاك الصواريخ فرط صوتية وتكنولوجيا عسكرية روسية متقدمة.

بتقديرنا ان إسرائيل باتت أمام خيارين مصيريين، إما شن حرب إقليمية توحد الجبهة الداخلية وتنقذ حكومة نتنياهو من التفتت، والمجتمع من الانقسام والتناحر، أو الحرب الاهلية، وهما خياران أحلاهما مرٌّ.

بالنسبة للخيار الأول عبرت عنه أصوات داخل إسرائيل مثل رئيس هيأة الاستخبارات السابق “تامير هيمان” الذي قال ان ايران دفنت الاتفاق النووي، وليس أمام إسرائيل سوى التحضير للخيار العسكري. وفي واقع الأمر فأن تقارير عدة تحدثت الأسبوع الماضي عن تحضيرات إسرائيلية جدية لعمل عسكري خارج الحدود بات قادة إسرائيل بحاجته لتصدير الازمة العميقة في الداخل. وقد تلقف الجنرالات الإيرانيون هذه المؤشرات وردوا عبر سلسلة تصريحات عالية السقف هددت بضرب القواعد الامريكية في المنطقة إذا تعرضت البلاد لأي نوع من الاعتداء. وفي الوقت الذي تبحث فيه إسرائيل عن جبهات خارجية لتنفيذ عدوان، يستعد محور المقاومة على الجبهات المحتملة. وفي هذا السياق جاء نصب منظومة الدفاع الجوي “خرداد 15” في سورية مع تجاوز تل ابيب حدود التصعيد التقليدي وقصف قلب العاصمة، وتهديد الأمين العام لحزب الله السيد نصر الله بضرب إسرائيل كرد على سياسة الفوضى الامريكية الإسرائيلية داخل لبنان.

وعلى الجبهة الإيرانية ثمة فارق كبير بالنسبة لإسرائيل بين الرغبة والقدرة. وبشكل مؤكد ليست لدى إسرائيل القدرة على شن حرب ضد إيران بشكل منفرد، والظهير الذي تعتمد عليه إسرائيل في البيت الأبيض لمغامرة من هذا القبيل ليس جاهزا لأية حرب إقليمية في الشرق الأوسط لأسباب باتت معروفة.

والى الان لا يمكن التنبؤ ان كان قرار شن حرب على قطاع غزة يلبي الحاجة الإسرائيلية لإنقاذ حالة التدهور الداخلي، لان التصعيد مع المقاومة في غزة ينعكس مباشرة على الضفة والمدن الفلسطينية المحتلة عام 48، وقد يأتي بنتائج عكسية تماما.

إسرائيل أمام خيارات صعبة، ومحاولاتها زيادة جرعة العنف والاجرام ضد المدنيين الفلسطينيين والتهويل بالحرب لا يجب ان يخفي حقيقة انها في وضع العاجز، وهذا الوضع لا بدَّ ان يصرف عاجلا أم اجلا في ميزان توازن القوى الاستراتيجي على مساحة الإقليم. إسرائيل حازت حصة وازنة في المعادلة الإقليمية في الحقبة الماضية، خاصة في زمن “الربيع الأسود” لكن الظروف الان تغيرت وعليها ان تستعد للتقلص والانكماش والتفكير بالمصير أسوة بكل دول الاحتلال وأنظمة الفصل العنصري في التاريخ الإنساني.

تغير المعادلة في السماء السورية سيكون معيارا مهما لقياس ذلك. لن يطول الانتظار لمعرفة ان كانت دمشق وطهران وبالتعاون مع روسيا قد نجحوا في طي صفحة السماء المفتوحة أمام الطائرات والصواريخ الإسرائيلية. توقف الغارات الإسرائيلية أو معركة قاسية ورادعة في السماء تدفع فيها إسرائيل خسائر لن يعني فقط ان مشهد السماء السورية تغير، انما أبعد بكثير من ذلك. الأيام المقبلة ستحمل الأجوبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى