قصص “عودة الجد الكبير” محاولة إنسانية لالتقاط ما تبقى من روح عراقية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
ترى الناقدة أميرة ناجي أن المجموعة القصصية “عودة الجد الكبير” للكاتب عبد الامير المجر، أكثر من نصوص سردية، إنها استعادة حارّة لذاكرة مثقلة ومحاولة إنسانية لالتقاط ما تبقى من روح عراقية عبر الزمن، هنا لا تُروى الحكايات كوقائع عابرة بل تنبض ككائنات حيّة تحمل أوجاعها وتتمسك بما تبقى من دفء في عالم يتآكل وتستحضر الأحلام المعلقة في الوجوه المتعبة وفي الأزمنة التي مرّ بها الإنسان”.
وقالت ناجي في قراءة نقدية خصت بها” المراقب العراقي”:”يتكئ الكاتب على حس سردي مشحون بالحنين والانكسار حيث تتداخل الأزمنة وتذوب الحدود بين الماضي والحاضر ليغدو الجد الكبير رمزًا يتجاوز كونه شخصية نحو ذاكرة جمعية وصوت داخلي يستدعي ما اندثر ويقاوم النسيان الشخصيات ليست أبطالًا تقليديين بل كائنات هشّة مكسورة أحيانًا لكنها مشبعة بإنسانيتها تقف عند تخوم الفقد وتبحث عن معنى البقاء وتكشف عن هشاشة الوعي الإنساني وقدرته على التكيف مع قسوة الواقع والتأريخ”.
وأضافت: إن”عالم عبد الأمير المجر السردي يتسم بقدرة لافتة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى لحظات كاشفة حيث تصبح الذاكرة بطلًا خفيًا ويغدو الحنين بنية جمالية تعيد تشكيل النص كل قصة نافذة على وجع مختلف لكنها تلتقي في جوهر واحد الإنسان حين يُترك وحيدًا أمام أسئلته الكبرى وتصبح التجربة الإنسانية متكاملة بين الواقع والفكر والتأمل”.
وتابعت إن” المجر يقدّم عالمًا سرديًا مشبعًا بالذاكرة العراقية المثقلة بالتجارب القاسية والتحولات الوجودية العميقة حيث تمزج نصوصه بين الواقع والهواجس الداخلية فلا تعود الحكاية حدثًا يُروى بل تتحول إلى مرآة نفسية تكشف انكسارات الإنسان عبر الزمن وتظهر الشخصيات ككائنات تتشظى بين ما كانت عليه وما صارت إليه بلغة مكثفة حساسة محمّلة بإيحاءات فلسفية تتجاوز السرد إلى التأمل وتنقل القارئ إلى تجربة شعورية يتشارك فيها الوجع والأمل والخوف والحنين”.
وتابعت:”في قصة (مرآتي في اليوم الخامس) لا تُكتب حكاية عن رجل ومرآة بل تنفتح مواجهة حادة بين الإنسان وطبقاته الزمنية المتراكمة حيث يتحول الانعكاس إلى كيان حي يستدعي نسخًا متعددة من الذات كل واحدة تحمل عبء مرحلة وتتكلم بصوتها الخاص كأن البطل يقف أمام ذاته لا ليراها بل ليحاكمها وتصبح المرآة فضاءً للوعي المزدوج والذاكرة المستمرة لكل أحداث الحياة والصراعات الداخلية فالمرآة تتحول إلى فضاء وجودي تتقاطع فيه الأزمنة، الفتى الجندي الجائع والخائف ليسوا أطيافًا عابرة بل ذوات كاملة لكل منها ذاكرة وجرح وعتب وكأن النص يقيم محكمة داخلية تتواجه فيها الأزمنة ويصبح الماضي قوة فاعلة تضغط على الحاضر وتعيد تشكيله لتبرز قدرة الكاتب على مزج الواقع بالرمز وإظهار العلاقة بين التجربة الفردية والذاكرة الجماعية”.
وأوضحت أن” قوة النص تكمُنُ في انتقاله العميق من الواقعي إلى الرمزي حيث تتكثف التجربة العراقية بما تحمله من حرب وحصار وخوف داخل بنية نفسية واحدة، فالجندي يستحضر ذاكرة المواجهة والجائع يلخص سنوات القهر والخائف يعكس أثر الفوضى على الوعي الإنساني وكل ذلك يتجمع في كيان واحد منهك يواجه نفسه وتتصاعد الأحداث لتظهر كيف تتشابك التجارب الفردية مع الجماعية لتشكل شخصية الإنسان المعاصر بكل تعقيداته”.
وبينت أن” المرآة لا تعكس الشكل بل تكشف حقيقة قاسية أننا نترك أجزاءً منا في كل مرحلة ونمضي ونحن نظن أننا تجاوزناها بينما نحملها في أعماقنا كأثر لا يزول لتصبح الرموز والدلالات جزءًا من وعينا الدائم والتجربة التي تصقل شخصيتنا، أما النهاية فتأتي بلحظة إنسانية موجعة حين يُسأل البطل عن أبنائه فتفتح القصة باب تأويل واسع هل كان يبحث عن أبنائه حقًا أم أن أبناءه هم تلك النسخ التي رآها أم أن الفقد أوسع من أن يُختزل في معنى واحد لتظل القصة دعوة للتأمل في الذاكرة والذات والمعنى العميق للوجود”.



