مع ميثاق “الأسد والتنين” احتواء إيران بات مستحيلاً

بقلم/ كمال خلف..
خلال كتابة هذه الكلمات يكون الرئيس الإيراني والوفد المرافق له، قد حطوا في العاصمة الصينية “بكين”، لفتح فصل جديد من العلاقات الإيرانية الصينية. الرئيس الإيراني سيتوج رحلة مباحثات وتنسيق بين البلدين بدأت منذ العام 2015 خلال زيارة الرئيس الصيني “شي جين بينغ” لإيران، لتصل الى مرحلة ولادة وثيقة “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” بين البلدين الآن، والتي سمتها الصحافة الإيرانية “ميثاق الأسد والتنين”.
تلك ليست اتفاقية عادية لتعزيز التعاون بين دولتين، فمنذ بدء الحديث عنها في عهد الرئيس الإيراني السابق روحاني بدت ملامح تحول مفصلي في تاريخ العلاقات بين البلدين، ليس هذا فحسب انما تأثيراتها في مستقبل المنطقة يضعها موضع اهتمام إقليمي ودولي وتحديدا من الولايات المتحدة التي تنظر بقلق بالغ لهذا التعاون الاستراتيجي من اتجاهين: الأول الإيراني حيث تتحول طهران من لاعب إقليمي مهم الى قوة إقليمية ولاعب مؤثر في المسرح الدولي الى جانب الكبار، والاتجاه الثاني الزحف الصيني المستمر والمتصاعد وقدرة الصين على جذب المزيد من الدول الراغبة في التعاون على وفق منطق المصالح المتبادلة وليس الفرض والهيمنة والغطرسة. وباختصار تنظر واشنطن الى الاتفاقية باعتبارها تقويضا لنفوذها في منطقة غرب آسيا. وعلى خلفية هذا القلق شنت وسائل الاعلام الامريكية حملة تشويش واسعة على الوثيقة الإيرانية الصينية منذ لحظة انطلاق المباحثات حولها قبل سبع سنوات، ونشرت تسريبات عن مضمونها حتى قبل ان تنجز بنود الوثيقة. وتضمنت تلك التسريبات ادعاءات حول تأجير إيران لجزر في مياهها الإقليمية والسماح بإقامة قواعد عسكرية صينية، وكان الهدف من تلك الاخبار اثارة جدل في الداخل الإيراني واحداث ارباك وبذات الوقت جس النبض واستطلاع لما يمكن ان تكون عليه هذه الوثيقة المجهولة المضامين.
الولايات المتحدة خسرت إيران بثقلها ووزنها الاقليمي بعد زوال حكم الشاه “محمد رضا بهلوي” وانتصار الثورة الإسلامية عام 1979 حيث كانت إيران قبل الثورة تلعب دور الأداة الامريكية في وجه الصين الشيوعية والكتلة الشرقية عموما. وبرغم انتصار الثورة في إيران وتسلمها مقاليد الحكم إلا ان فرصة التقارب الصين بالمعنى الاستراتيجي لم تكن متاحة، اقتربت الصين من الولايات المتحدة وفقا لمسار المصالح والعلاقات التجارية والاقتصادية، وايدت الصين كل سياسات الضغط الأمريكي على إيران بما فيها التصويت على نقل ملف إيران النووي الى مجلس الامن عام 2006 وفرض أربع حزم من العقوبات الدولية القاسية على إيران وقد فعلت روسيا ذات الشيء.
لكن ثمة تحولات كبرى طرأت في البيئة الدولية أدت الى تصدع هذا الحشد الذي عملت الولايات المتحدة على تماسكه في إطار استراتيجية عزل واضعاف إيران، أو احتوائها. تعلن الصين اليوم رفض سياسة العقوبات، بل تعمل على ابطال مفعولها، وتندفع نحو إقامة تعاون وشراكة استراتيجية مع طهران، بعيدا عن السياسيات الأمريكية بل في مواجهتها، روسيا فعلت الشيء نفسه، وسعت موسكو للحصول على اتفاقية استراتيجية ونقل العلاقة مع إيران إلى مستوى لم تصله العلاقات بين البلدين طول تاريخها. وأكثر من ذلك تسعى دول عربية وخليجية تحديدا لتجاوز الإرادة الأمريكية وإعادة فتح أبواب الحوار والتعاون مع إيران وكذلك مع الصين وروسيا. المنطقة بدأت تتفلت من القبضة الأمريكية، وهذا ستكون له تداعيات وتأثيرات كبيرة على سياسات الدول ومستقبلها وكيفية تموضعها في الإقليم وعلى الخارطة الدولية.
استخدمت الولايات المتحدة وعبر الإدارات المتعاقبة كل الخيارات الممكنة في جعبتها لاحتواء إيران أولها سياسة العقوبات والضغوط القصوى وقد جربتها مرارا وتكرارا طوال أربعة وأربعين عاما وفشلت. استخدمت خيار التهديد بالغزو العسكري وفشل هذا الخيار ولم يعد قائما اليوم مع كوارث الفشل الأمريكي في العراق وأفغانستان، وبروز التحدي الصيني الذي سوف يستفيد من انخراط الولايات المتحدة في أي حرب مقبلة، فضلا عن قوة إيران التي تضاعفت، ونفوذها الذي اتسع. وفي اخر فصول الخيارات كان محاولة اشعال فوضى وحرب داخلية تدخل إيران في اتون ازمة تفتح أبواب التدخلات الخارجية، ولكن هذا الخيار فشل هو الآخر اليوم، وتجاوزت إيران المحنة وعززت تماسكها الداخلي. ماذا بقي؟ ربما الاعتماد على إسرائيل وعملياتها الأمنية والاستخبارية. ملامح فشل هذا الخيار تتبدى في عجز المنظومة الأمنية الإسرائيلية عن مواجهة تحدي تصاعد المقاومة في الضفة الغربية، وزيادة قوة وقدرات المقاومة في غزة ولبنان امام العين الإسرائيلية دون ان تستطيع فعل شيء، مع حالة من الفوضى والتمزق داخل منظومة الحكم والمجتمع الإسرائيلي على حد سواء. باختصار إسرائيل أعجز من ان تكون خيارا أمريكيا في مواجهة إيران واحتوائها. وستكون في المستقبل القريب عبئا إضافيا على الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
المارد خرج إلى فضاءات أوسع، وليس هناك أية إمكانية لإعادة حصاره وتقييده مرة أخرى، تلك إشارات العالم الجديد، وتلك ارهاصات مرحلة ما بعد التوحش الأمريكي الأطلسي في العالم.
نتائج الحرب في أوكرانيا ستكون حاسمة بلا شك في وضع القواعد الواضحة للنظام الدولي الجديد، عدم تمكن الولايات المتحدة من الحاق الهزيمة التي توعدت بها روسيا، سيعني الكثير بالنسبة لمكانتها وسمعتها ومستقبل تسلطها على العالم. والشرق الأوسط سيكون اول من تلفحه رياح هذا التحول الكبير.
سنتابع زيارة الرئيس الإيراني وسننتظر إذا ما كان سوف تعلن بنود وثيقة الاتفاق الاستراتيجي الشامل بين البلدين، وكيف ستكون ردات الفعل في عواصم القرار؟.



