اراء

ظاهرة مزمنة

بقلم/ عدنان لفته..

أشبه بـالعادة المزمنة تطرق أبواب دوري نجوم العراق، تتجسد في التغييرات المستمرة للمدربين، وكأن مقاعد الأجهزة الفنية تحولت إلى كراسٍ دوّارة لا تعرف الاستقرار. هذه الظاهرة لم تعد مجرد قرارات فنية معزولة، بل أصبحت مؤشراً واضحاً على خلل إداري أعمق يضرب بنية الأندية العراقية التي ربما نعترف جميعا أننا لا نملك تلك الإدارات المثالية تماماً.

مع انطلاق كل موسم، لا تحتاج سوى جولات قليلة حتى تبدأ أولى قرارات الإقالة، وغالباً ما تكون تحت ضغط النتائج الآنية أو غضب الجماهير. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل المشكلة في المدرب وحده؟ أم أن المدرب بات “الحل الأسهل” لإخفاء إخفاقات الإدارة وسوء التخطيط؟.

في كثير من الحالات، يتم التعاقد مع مدربين دون رؤية فنية واضحة أو انسجام مع مشروع النادي، سرعان ما يتحول المدرب إلى ضحية لقرارات متسرعة، في ظل غياب الصبر الاستراتيجي الذي يُعدُّ أساس النجاح في كرة القدم الحديثة. الأندية التي تبحث عن نتائج فورية، تتناسى أن بناء فريق متماسك يحتاج إلى وقت، وأن الاستقرار الفني هو حجر الأساس لأي إنجاز حقيقي.

المفارقة أن بعض الأندية تغيّر أكثر من مدرب خلال موسم واحد، دون أن يتغير الأداء بشكل جذري، ما يتغير فقط هو الأسماء، بينما تبقى المشكلات ذاتها: ضعف في التعاقدات، غياب التخطيط طويل الأمد، وتدخلات إدارية في العمل الفني. وهنا، يتحول المدرب إلى “كبش فداء” بدلاً من أن يكون جزءاً من مشروع متكامل.

وثمة مشكلة أخرى هي تنقُّل بعض المدربين بين هذا الفريق أو ذاك مع استمرار مسلسل الفشل الفاضح.

هذه الظاهرة تنعكس سلباً على اللاعبين، الذين يجدون أنفسهم في كل مرة أمام فلسفة تدريبية جديدة، وأساليب مختلفة، ما يؤدي إلى غياب الاستقرار الذهني والتكتيكي داخل الفريق. والنتيجة: أداء متذبذب، وفقدان للهوية الفنية.

وتسهم بعض التغطيات الاعلامية في تأجيج الأزمة، من خلال تضخيم النتائج السلبية والدفع باتجاه الإقالات، بدلاً من تبنّي خطاب تحليلي عقلاني يسلط الضوء على جذور المشكلة. وهنا، يتحمل الإعلام الرياضي جزءاً من المسؤولية، كونه شريكاً في تشكيل الرأي العام. في المقابل، تقدم تجارب عالمية عديدة درساً واضحاً: الفرق الناجحة هي التي تمنح مدربيها الوقت والثقة. الاستقرار ليس رفاهية، بل ضرورة تنافسية. وإذا ما استمرت أندية دوري نجوم العراق في هذا النهج، فإنها ستبقى تدور في حلقة مفرغة، حيث تتكرر الأخطاء وتضيع فرص التطور.

إصلاح هذه الظاهرة يبدأ من الإدارات، عبر تبنّي سياسات واضحة تقوم على التخطيط، والصبر، والمحاسبة الحقيقية التي لا تختزل الفشل في شخص المدرب فقط. فالدوري الذي يطمح إلى التطور، لا يمكن أن يبنى على قرارات انفعالية، بل على استراتيجيات طويلة الأمد تعيد التوازن بين الطموح والواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى