فيلم “بيروت هولدم”.. القلق الكامن في الأمكنة والوجوه

منذ اللحظات الأولى لفيلم “بيروت هولدم” (تأليف وإخراج ميشال كمون)، لا يملك المشاهد إلا أن يتعاطف مع حركة الكاميرا، والتقاطات المخرج الذكية للتفاصيل الكامنة في الأمكنة والوجوه، وللقلق المديد فيها، فلا شيء مستقر البتة، لا حال الناس، ولا البلد، وبالتالي لا سكينة يمكن الوصول إليها مهما كان السعي جديًا.
يقتنص كمون في فيلمه روح المدينة التي باتت الحياة فيها أشبه بلعبة قُمار لا فكاك منها، وممنوع على اللاعبين الانسحاب بإرادتهم، فهم أسرى الرِّهان دائما، الرهان على الصداقة والحب وتأمين المعيشة، وأصعب تلك الرهانات هو الرِّهان على الذات بعمق مأساتها الوجودية في مدينة باتت ضارية في علاقاتها ومتطلباتها وانكساراتها وواقعها المتأرجح دائما، إذ إن جميع شخصيات الفيلم تحقق مقولة المتنبي “على قلق كأنّ الريح تحتي”.
برغم محاولات زيكو فتح صفحة جديدة في حياته، إلا أن المستنقع الذي يعيشون فيه جميعهم كان أقوى، وسعي البطل لتبديل ماضيه يُعرِّضه دائما لمواقف قاسية من كل من حوله.
لكن في فيلم “كمون” لا نبوءات البتة، إذ يُغافلك في جميع المنعطفات الدرامية، ولا يترك لك المجال للتوقع، فكل تفصيل مهم ومُفاجئ، وكل حيثية اشتغل عليها لها مكانها الأثير في جوهر ما أراد قوله، حتى الزمن استطاع أن يلعب عليه بتمرُّس، بحيث لا يُشعر المتلقي بانتقالاته وانقضاءاته، إلا من خلال تأثيره على مصائر الأبطال، وزعزعة كينونتهم، وانقلابات حيواتهم المتكررة، وكأن المخرج يراهن على كل شيء دفعة واحدة، لكنه بعكس أبطاله، يعلم علم اليقين أنه سيكسب الرهان.
يحكي “بيروت هولدم” قصة الشاب الأربعيني زياد الملقب بـ”زيكو” (صالح بكري) الخارج للتو من السجن قبل انقضاء فترة حكمه، وذلك لحسن السلوك، الذي يسعى لأن يصلح أخطاء ماضيه، ويتحلل من تبعاتها، بما في ذلك موت أخيه الأصغر رامي بحادث ضمن سباق للدراجات النارية، والذي حمله والده (روجيه عساف) مسؤولية وفاته لأنه كان يقلده ويريد أن يصبح مثله.



