اخر الأخبارثقافية

محمد مهر الدين.. الحانق فنياً ومبدئياً على صدام وأمريكا 

 

كان محمد مهر الدين، غاضباً من الوضع الذي آلت إليه البلاد، كان هذا الغضب يتحوّل إلى لوحات بأحجام وطرائق متفاوتة، وكان طيلة الليل يستمر بالرسم في مرسم الفنانة العراقيّة نوال السعدون، وسط العاصمة السورية، لا تُفارقه سجائره، ولا يملّ العرق الشامي.

على خلاف المثقفين العراقيين الذين تحيّروا في الموقف السياسي من احتلال بغداد، عرف محمد مهر الدين مسبّقاً، أن الاحتلال سيجرّ الويلات، وكان حانقاً على نظام الطاغية صدّام وعلى الجيش الأمريكي، وما حمل معه من السياسيين، وكان يبحث في الآن نفسه، عن دوّي في الألوان يُدين كل ذلك.

لم تنصف الأنظمة العراقية المتفاوتة مهر الدين، ولم ينصفه النقد، وعلى الرغم من جدارياته الكبيرة الثلاث التي تتصدر مطارَي بغداد والبصرة وساحة الاحتفالات؛ إلا أن صهيل العراقي القادم من أقصى الجنوب، ظلّ يخترق رمزيته المحرّم والمسكوت عنه في القضايا الاجتماعية والإنسانية.

“اللوحة بالنسبة لي فكرة، يجب أن تقدم مضموناً فكرياً وجمالياً، ويجب أن يكون فيها هدف.. القيمة الجمالية تأتي بالدرجة الثانية، وأهم شيء عندي هو الموضوع”. هكذا، من دون تضليل أو تشبث بمقولات التجريد التشكيلي، يعلن مهر الدين انحيازه إلى قضايا شعب ووطن أنهكته الحروب وبساطيل الجنرالات، في حوار قبل رحيله.

حافظ مهر الدين خلال سنوات إبداعه التي تجاوزت الخمسة عقود على إنشاء نص بصري عبر صياغات بنائية متعددة، جعلت بعض النقاد يسجلون عليه تنقلاته الأسلوبية. لكنه، وبما يشبه الاحتجاج، يقول: “هناك تطور أسلوبي وليس تغييراً في الأسلوب. هناك خط بياني يتصاعد بخمس أو ست مراحل أسلوبية، وهناك من يعتقد أنني غيرت أسلوبي بينما أنا طورت فيه ولم أغيره. أدخلت الغرافيك مع الرسم، وكذلك الكولاج والمواد المختلفة والتقنيات الجديدة والأحبار، تحتم أن يكون إنشاء أو إخراج اللوحة بنمط آخر.. كل مضمون وكل موضوع يدفعني إلى أسلوب”.

وعلى العكس من الفنانين الذين أصابتهم لوثة النرجسية؛ بقي مهر الدين يتطلع للنظر إلى الأعمال الجديدة في العالمين العربي والغربي. كان طوال وجوده في دمشق يتنقّل بين صالات العرض، وهو يعدّل نظّارته ويركّز في اللوحات ويتأملها، ولم يكن أيضاً يخجل من إبداء وجهات نظره اللاذعة، أو الساخرة في أحيان كثيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى